المستشارة غادة سالم عزت تكشف خفايا التزوير المعنوي وأخطاره على العدالة الجنائية
أكدت المستشارة غادة سالم عزت أن جريمة التزوير المعنوي تُعد من أخطر الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، لما تنطوي عليه من مساس مباشر بالحقيقة القانونية دون أن تترك أثرًا ماديًا ظاهرًا في المحرر، الأمر الذي يجعل كشفها مرهونًا بعمق الفهم ودقة التحليل لا بمجرد الفحص الفني.
وأوضحت سيادتها أن التزوير بوجه عام هو تغيير الحقيقة في محرر تغييرًا من شأنه إحداث ضرر، بقصد استعمال ذلك المحرر فيما زُوِّر من أجله، وأنه ينقسم إلى نوعين رئيسيين: تزوير مادي، وتزوير معنوي، مشيرة إلى أن الأخير يتمثل في تغيير الحقيقة في مضمون المحرر عند تحريره ابتداءً، دون أن يصاحب ذلك أي تغيير مادي في شكله أو بياناته الظاهرة.
وبيّنت أن خطورة التزوير المعنوي تكمن في أن المحرر يخرج إلى الوجود مستوفيًا أركانه الشكلية، صحيح التوقيع، خاليًا من مظاهر الكشط أو الشطب أو الاصطناع، إلا أن مضمونه يكون مخالفًا للحقيقة التي وقعت في الواقع، فيبدو صحيحًا في ظاهره، بينما ينطوي في جوهره على انحراف متعمد عن الحقيقة.
وأضافت أن صور التزوير المعنوي متعددة، من أبرزها إثبات واقعة غير صحيحة على أنها صحيحة، كإثبات حضور شخص لم يحضر، أو سداد مبلغ لم يُسدَّد، أو استلام شيء لم يتم استلامه. كما قد يتحقق بإغفال واقعة جوهرية كان يتعين إثباتها، كتجاهل شرط أساسي في عقد، أو عدم تدوين اعتراض أو تحفظ أُبدي أثناء تحرير المحرر، أو حذف بيانات مؤثرة في المركز القانوني لأحد الأطراف.
وأشارت كذلك إلى أن تحريف أقوال ذوي الشأن يُعد صورة واضحة من صور التزوير المعنوي، كأن تُثبت أقوال شاهد على غير ما قال، أو يُدوَّن إقرار لم يصدر عن صاحبه، أو يُحرَّف مضمون أقوال متهم أو خصم. كما شددت على أن إساءة استعمال التوقيع الصحيح من أخطر صوره، كحالة التوقيع على بياض ثم ملء البيانات على خلاف الاتفاق، أو استغلال ثقة صاحب التوقيع لإثبات بيانات لم يرضَ بها.
وفيما يتعلق بمحل وقوع الجريمة، أوضحت أن التزوير المعنوي قد يقع في المحررات الرسمية أو العرفية، وكذلك في محاضر الجلسات والتحقيقات والعقود والإقرارات، غير أن خطورته تتضاعف إذا تعلق بمحرر رسمي، لما يتمتع به من حجية وثقة عامة، وما يترتب عليه من آثار قانونية مباشرة.
وأكدت المستشارة غادة سالم عزت أن جريمة التزوير المعنوي تقوم على ركنين أساسيين:
أولهما الركن المادي، ويتمثل في تغيير الحقيقة في مضمون المحرر وقت تحريره دون إحداث تغيير مادي ظاهر في شكله.
وثانيهما الركن المعنوي، ويتمثل في القصد الجنائي، أي علم الجاني بعدم صحة ما يُثبت، واتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة، مع نيته استعمال المحرر فيما زُوِّر من أجله.
ولفتت إلى أن القانون لا يشترط تحقق ضرر فعلي لقيام الجريمة، وإنما يكفي احتمال وقوع الضرر، باعتبار أن الحماية الجنائية تمتد إلى صون الثقة في المحررات وحماية التعامل القانوني بها.
أما عن التفرقة بين التزوير المادي والمعنوي، فأوضحت أن الأول يتميز بوجود تغيير ظاهر يمكن كشفه غالبًا عن طريق الفحص الفني، بينما الثاني لا يترك أثرًا ماديًا، ويُكشف من خلال الأدلة والقرائن وشهادة الشهود وظروف الواقعة، ومن ثم فهو أخطر وأدق في الإثبات.
وأضافت أن التزوير المعنوي يثبت بكافة طرق الإثبات القانونية، ومنها شهادة الشهود، وتعارض المستندات، والقرائن القضائية، واعتراف المتهم، وملابسات تحرير المحرر، مؤكدة أنه لا يمكن الاعتماد على الفحص الفني وحده لإثباته، لعدم وجود أثر مادي محسوس.
واختتمت سيادتها بالتأكيد على أن التزوير المعنوي من الجرائم التي قد تُبنى عليها مراكز قانونية خطيرة، وقد يترتب عليها صدور أحكام تمس الحقوق والحريات، مما يفرض على جهات التحقيق والمحاكم وأطراف الخصومة تحري أقصى درجات الدقة والتمحيص، لأن هذه الجريمة – وإن خفيت عن العين – فإن أثرها قد يكون بالغًا في إهدار العدالة إذا لم تُكشف بحكمة وفهم قانوني عميق. ⚖️