حين يصبح الرحيل قدرًا داخليًا: قراءة نقدية في رواية «سماء مغادرة» للكاتبة منال رضوان

Feb 16, 2026 - 22:53
حين يصبح الرحيل قدرًا داخليًا: قراءة نقدية في رواية «سماء مغادرة» للكاتبة منال رضوان

تأتي رواية «سماء مغادرة» بوصفها نصًا سرديًا ينحاز بوضوح إلى الباطن الإنساني أكثر من انحيازه إلى الحكاية بمعناها التقليدي. فلا تقوم بنيتها على تصاعد درامي صاخب، ولا على حبكة متشابكة تتكئ على المفاجآت، بل تتشكّل عبر تحولات الشعور وتقلبات الوعي، حيث يغدو الأثر النفسي للوقائع أهم من الوقائع ذاتها. نحن أمام عمل يتعامل مع الداخل باعتباره مسرح الحدث الحقيقي، ويجعل من التجربة الوجدانية بؤرة السرد ومحوره.

في هذا السياق، لا تُفهم “المغادرة” باعتبارها انتقالًا جغرافيًا من مكان إلى آخر، بل باعتبارها مسارًا داخليًا شاقًا، رحلة تفكيك وإعادة تركيب داخل طبقات النفس. السماء التي يغادرها الأبطال ليست فضاءً مكانيًا فحسب، بل منظومة من القيم والذكريات والعادات التي كانت يومًا ما مصدرًا للأمان، ثم تحولت بالتدريج إلى عبء ثقيل. ومن هنا، تتبدّى الرواية كمحاولة للتحرر الذاتي قبل أن تكون بحثًا عن تحرر خارجي.

اللافت في هذا العمل هو طبيعة اللغة التي اختارتها الكاتبة؛ لغة مكثفة، مقتصدة، بعيدة عن الزينة البلاغية والاستعراض اللفظي. الجمل قصيرة في أغلبها، والإيقاع متوتر أحيانًا، كأنه يعكس قلق الشخصيات وترددها. ثمة مساحات صمت واضحة بين الأسطر، صمت ليس فراغًا بل طاقة كامنة، يتيح للقارئ أن يشارك في بناء المعنى، وأن يملأ الفجوات بتجربته الخاصة. هذا التخفف من الزخرفة يمنح النص صدقه وطاقته التعبيرية، ويجعل كل عبارة تبدو وكأنها وُضعت بميزان دقيق.

أما المدينة في الرواية، فهي ليست مجرد خلفية محايدة للأحداث، بل تتحول إلى كيان حيّ، يحمل ذاكرة المكان وضغط الماضي في آن واحد. معالمها المعمارية، شوارعها، بيوتها القديمة، ليست عناصر ديكورية، بل إشارات رمزية تستدعي الحنين وتؤجج الرغبة في الانفصال. المدينة هنا تمارس حضورًا ضاغطًا على الشخصيات، تذكّرها بما كانت عليه، وتثقل خطاها وهي تحاول أن تخطو نحو مستقبل مختلف. وفي هذا التوتر بين التعلق بالمكان والرغبة في مغادرته تتشكل دراما الرواية العميقة.

الشخصية المحورية لا تُقدَّم في صورة بطولية أو خطابية. إنها كائن هش، متردد، يراوح بين الخوف والرغبة في الخلاص. لا تمتلك يقينًا صلبًا، ولا شعارات جاهزة، بل تعيش ارتباكها بصدق. قوتها لا تكمن في الحسم، بل في قدرتها على مواجهة ذاتها، والاعتراف بتناقضاتها. وهذا ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا حقيقيًا؛ فالقارئ لا يتعامل مع نموذج مثالي، بل مع مرآة تعكس هشاشته وأسئلته المؤجلة.

من الناحية السردية، تميل الرواية إلى التأمل أكثر من الفعل. لا نكاد نجد أحداثًا كبرى تُحدث انعطافات حادة، بل سلسلة من اللحظات الصغيرة التي تتراكم ببطء لتحدث التحول. هذه البنية الهادئة قد تبدو لبعض القراء بطيئة الإيقاع، لكنها في الحقيقة منسجمة مع طبيعة الموضوع؛ فالتغير الداخلي لا يحدث فجأة، بل يتسلل في صمت، مثل شقوق دقيقة في جدار قديم.

كذلك، لا تتبنى الرواية خطابًا مباشرًا حول الحرية أو القهر، ولا تسعى إلى إصدار أحكام أخلاقية صريحة. أفكارها تتسرب بهدوء، واثقة بقدرة القارئ على التأويل. الأسئلة تظل مفتوحة، والنهايات لا تُغلق بإحكام، لأن الحياة نفسها لا تمنح إجابات نهائية. المغادرة هنا ليست خاتمة حاسمة، بل بداية لمسار محفوف بالاحتمالات والمخاطر، وربما بالندم أيضًا.

من الجوانب اللافتة أيضًا أن الرواية تتعامل مع الذاكرة بوصفها مساحة صراع. الماضي لا يظهر كزمن منتهٍ، بل كقوة فاعلة في الحاضر، تحاصر الشخصيات وتعيد تشكيل اختياراتها. وكل محاولة للمغادرة تصطدم بهذا الماضي الذي يطالب بحقه في البقاء. وهنا يتجلى السؤال الجوهري للعمل: هل يمكن للإنسان أن يغادر حقًا، أم أنه يحمل سماءه القديمة معه أينما ذهب؟

بهذا المعنى، تنتمي «سماء مغادرة» إلى سرد تأملي يشتغل على التحول الداخلي أكثر من اعتماده على المفاجأة أو الحدث الصاخب. إنها رواية عن الشجاعة الصامتة، عن تلك اللحظة الدقيقة التي يقرر فيها الإنسان أن يواجه خوفه، لا ليهزمه بالضرورة، بل ليعترف به. تذكّرنا بأن أعقد الرحلات ليست تلك التي نخوضها عبر الحدود والجغرافيا، بل تلك التي نخوضها في أعماقنا.

في النهاية، يمكن القول إن «سماء مغادرة» عمل يراهن على القارئ المتأمل، القادر على الإصغاء لما بين السطور. إنها ليست رواية تُقرأ على عجل، بل نص يحتاج إلى بطء، إلى إنصات، إلى استعداد للغوص في الداخل. ومن هنا تأتي قيمتها؛ فهي لا تمنحنا حكاية جاهزة، بل تدعونا إلى مساءلة سمائنا الخاصة، والتفكير في لحظة الرحيل التي قد تصبح، في يوم ما، قدرًا داخليًا لا مفر منه.