«الإبراهيمية» وحروب الإبادة في «زمن القلق السياسي»… قراءة في كتاب جديد للسيد الحراني

Feb 16, 2026 - 22:49
«الإبراهيمية» وحروب الإبادة في «زمن القلق السياسي»… قراءة في كتاب جديد للسيد الحراني

في لحظة دولية تتسم بالاضطراب والتقلب، حيث تتداخل الحروب التقليدية مع صراعات السرديات والمفاهيم، يصدر الجزء الأول من كتاب «زمن القلق السياسي ـ البطولة والخيانة والجفاف والفيضانات والإبراهيمية وحروب الإبادة» للكاتب الصحفي والباحث السياسي السيد الحراني، عن دار أكتب للنشر والتوزيع، في 230 صفحة من القطع المتوسط، ليقدم محاولة تحليلية لفهم طبيعة المرحلة الراهنة وتحولاتها العميقة.

ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن العالم يعيش حالة قلق مركب، لم يعد يقتصر على حدود الصراع بين الدول، بل امتد إلى الوعي ذاته، حيث أصبحت المعركة تُدار عبر الخطاب، وإعادة تشكيل المفاهيم، وصناعة الصور الذهنية، بقدر ما تُدار عبر السلاح والقوة العسكرية. فالإنسان، وفق طرح المؤلف، لم يعد مجرد ضحية جانبية للحروب، بل أصبح ساحة الصراع الأساسية.

وفي تصريحات خاصة، يؤكد الحراني أن كتابه كُتب من داخل اللحظة التاريخية، لا من موقع المراقب البعيد، قائلاً إن القلق الذي يعيشه العالم اليوم ليس حالة عابرة، بل بنية حاكمة للعلاقات الدولية، ومؤشراً على خلل عميق في النظام العالمي، سواء على المستوى السياسي أو الأخلاقي.

القلق بوصفه ظاهرة سياسية وأخلاقية

يعالج الكتاب مفهوم القلق باعتباره ظاهرة سياسية وأخلاقية في آنٍ واحد. فالقلق، كما يراه المؤلف، يكشف هشاشة البنى السياسية القائمة، ويفضح غياب المشاريع الكبرى القادرة على إنتاج أفق للمستقبل. ويربط الحراني بين تصاعد الأزمات البيئية، مثل الجفاف والفيضانات والتغير المناخي، وبين تهديدات مباشرة للأمنين المائي والغذائي، معتبراً أن هذه الأزمات ليست مجرد كوارث طبيعية، بل نتاج نظام عالمي مختل في أولوياته وقيمه.

كما يتناول الحروب والنزاعات المعاصرة باعتبارها حلقات في سلسلة واحدة تعيد رسم موازين القوى الدولية، وتكشف في الوقت ذاته عجز القانون الدولي عن حماية الشعوب الضعيفة، في ظل منطق المصالح وهيمنة القوة.

«الإبراهيمية» وإعادة هندسة الوعي

يخصص المؤلف مساحة تحليلية لمناقشة ما يُعرف بمشروع «الإبراهيمية»، الذي يقدمه بوصفه مشروعاً سياسياً وثقافياً يتجاوز الطابع الديني المعلن، ويرتبط ـ بحسب رؤيته ـ بمحاولات إعادة تشكيل الوعي الديني والثقافي في الشرق الأوسط. ويرى الحراني أن القلق الناتج عن هذه التحولات ليس دليلاً على الضعف، بل علامة وعي، محذراً من تحويله إلى صمت أو تواطؤ.

ويؤكد أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على تعريف المفاهيم، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الهوية والمصلحة.

فلسطين في قلب التحليل

تحتل القضية الفلسطينية موقعاً محورياً في الكتاب، حيث يقدم المؤلف تحليلاً موسعاً لتداعيات أحداث السابع من أكتوبر، وما أعقبها من تطورات سياسية وإنسانية في قطاع غزة. ويصف ما جرى بأنه نموذج صارخ لاختلال موازين العدالة الدولية، مشيراً إلى ما يراه ازدواجية في المعايير الدولية في التعامل مع الصراعات.

كما يناقش الكتاب محاولات تهميش فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، في سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني. ويؤكد الحراني أن انحيازه في هذا الملف، كما يوضح، هو انحياز معرفي وأخلاقي لحق الشعوب في الفهم وإدراك طبيعة ما يجري.

الموقف المصري وتوازنات الإقليم

يتوقف الكتاب عند الموقف المصري من التطورات الإقليمية، مسلطاً الضوء على إدارة الدولة المصرية للملف الفلسطيني، في ظل تحديات إقليمية معقدة. ويشير إلى دور الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحفاظ على ثوابت الأمن القومي المصري، ورفض مشاريع التوطين القسري للفلسطينيين خارج أراضيهم، معتبراً أن استهداف مصر أو تقليص دورها الإقليمي يدخل ضمن إعادة ترتيب أوسع لمعادلات الشرق الأوسط.

ويمتد التحليل إلى رؤية نقدية للسياسات الأمريكية في المنطقة، معتبراً أن واشنطن تعتمد على إسرائيل كحليف استراتيجي لتنفيذ سياسات الهيمنة، في ظل ما يصفه بصمت أو تواطؤ بعض القوى الإقليمية.

قراءات في أدوار إقليمية وشخصيات مؤثرة

لا يغفل الكتاب تناول أدوار عدد من الفاعلين الإقليميين، ومن بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إضافة إلى مناقشة أدوار بعض الأنظمة الخليجية والدور الإيراني في ضوء التفاهمات غير المعلنة التي تضبط إيقاع الصراع.

كما يستحضر تجربة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بوصفها نموذجاً لمرحلة شهدت صعود المشروع القومي العربي، ويقارن بينها وبين واقع عربي يتسم بالتراجع والتفكك. ويمتد التحليل إلى المشهد السوري، خاصة التحولات المرتبطة بصعود أبو محمد الجولاني، في سياق ما يراه ازدواجية دولية في تعريف مفهومي الإرهاب والشرعية.

سد النهضة والملف الإفريقي

في الملف الإفريقي، يناقش الكتاب أزمة سد النهضة، مسلطاً الضوء على سياسات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وتأثيرها على الأمن المائي المصري، معتبراً أن الأزمة تتجاوز بعدها الفني لتدخل في إطار توازنات إقليمية ودولية أوسع.

القلق كطاقة وعي

يختتم الحراني الجزء الأول من كتابه بتأملات حول مفاهيم البطولة والخيانة في زمن اختلال المعايير، داعياً إلى استعادة البعد الأخلاقي والروحي في السياسة، لا باعتباره هروباً من الواقع، بل ركيزة لمقاومة التفكك والانهيار.

ويخلص الكتاب إلى أن القلق ليس المشكلة في حد ذاته، بل ما يكشفه من هشاشة البنى السياسية وغياب المشروع العربي المستقل. فالهدف، كما يؤكد المؤلف، ليس التعايش مع القلق، بل تحويله إلى وعي نقدي وطاقة تغيير، لأن الفهم ـ في رأيه ـ هو الخطوة الأولى نحو التحرر، ولأن التاريخ لا ينسى، والضمير الإنساني، مهما طال صمته، لا يبرئ خيانة ولا يسقط حقاً.

ويشير الحراني إلى أن الأجزاء التالية من «زمن القلق السياسي» ستتناول آليات العمل السياسي في الشرق الأوسط بصورة أوسع، في ظل تطور الدور الأمريكي ودعمه لإسرائيل، وما يرتبط بذلك من تحولات استراتيجية تمس مستقبل المنطقة بأكملها.