مصطفى صلاح يكتب: خالد عبد العزيز.. حين تُدار الكلمة بعقل الدولة لا بضجيج الشاشات

يناير 15, 2026 - 12:26
يناير 15, 2026 - 12:26
مصطفى صلاح يكتب: خالد عبد العزيز.. حين تُدار الكلمة بعقل الدولة لا بضجيج الشاشات

يعلو الضجيج، وتختلط الأصوات حتى يفقد الكلام معناه، ويصبح الصمت المنظم فعلًا من أفعال الحكمة. في مثل هذا المناخ المربك، لا يعود الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل يتحول إلى قوة خطرة إن تُركت بلا ضابط، أو إلى طاقة بناء إن أُحسن تنظيمها. من هنا تكتسب تجربة المهندس خالد عبد العزيز في رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام معناها الحقيقي، لا كمنصب إداري، بل كمسؤولية ثقيلة تتعلق بمصير الكلمة وأثرها في وعي الناس.

إدارة الإعلام ليست قرارًا يُتخذ، ولا لائحة تُكتب، بل رؤية شاملة لطبيعة المجتمع وما يحتمله من خطاب، وما يحتاجه من تهذيب دون قمع، ومن حرية دون فوضى. وهذا ما يلمسه المتابع لطريقة إدارة خالد عبد العزيز للمجلس؛ إذ لا صخب، ولا اندفاع، ولا رغبة في افتعال معارك جانبية، بل عمل هادئ يراكم أثره ببطء، ويُعيد ترتيب المشهد من الداخل.

في هذه الإدارة، لا تظهر السلطة في صورتها الخشنة، بل في صورتها العاقلة. فالتنظيم هنا ليس خصمًا من الحرية، بل حارسًا لها. والضبط لا يُمارس بوصفه عقوبة، وإنما باعتباره صيانة للمهنة وحماية للمجتمع معًا. لذلك جاءت القرارات أقرب إلى التقويم منها إلى الردع، وأقرب إلى تصحيح المسار منها إلى كسر العجلة.

ما يميز هذه التجربة أن الإعلام يُنظر إليه بوصفه كيانًا حيًا، يتأثر ويؤثر، ويحتاج إلى رعاية أكثر مما يحتاج إلى سطوة. فالكلمة التي تُقال بلا حساب قد تُفسد ذوقًا عامًا، أو تُشوه فكرة، أو تُربك وعيًا هشًا. ومن هنا يظهر الحرص الواضح على اللغة، وعلى مضمون الرسالة، وعلى الصورة التي تُقدَّم للناس عن أنفسهم قبل غيرهم.

في أسلوب الإدارة، لا خصومة مع المؤسسات الإعلامية، ولا تعامل معها باعتبارها مصدر خطر دائم. على العكس، هناك إيمان بالشراكة، وبأن إصلاح المشهد لا يتم إلا بالحوار، وبأن الإعلامي حين يُحترم، يلتزم أكثر مما لو حُوصِر. لذلك ظل باب التواصل مفتوحًا، وظلت القرارات محكومة بفهم طبيعة العمل الإعلامي لا بقراءة سطحية له.

أما الفضاء الرقمي، بكل ما يحمله من تسارع وانفلات، فلم يُواجَه بالإنكار أو التخويف، بل بالفهم والتنظيم. فالعصر لا يمكن القفز فوقه، لكن يمكن ضبطه. والمنصات الجديدة ليست عدوًا، لكنها تصبح كذلك إن تُركت بلا إطار. من هنا جاء السعي إلى تقنين هذا المجال، لا لإغلاقه، بل لإدخاله في نطاق المسؤولية، حتى لا تتحول الحرية إلى عبء، ولا يتحول التأثير إلى أذى.

وفي العمق، ثمة إدراك واضح بأن الإعلام ليس ترفًا، بل جزء من الأمن الثقافي للمجتمع. فالأمم لا تُقاس فقط بقوتها الاقتصادية أو العسكرية، بل بسلامة وعيها العام. والإعلام حين ينحدر، لا يُسيء إلى نفسه فقط، بل يجر المجتمع كله إلى منطقة رمادية، تختلط فيها الحقيقة بالزيف، والنقد بالتحريض، والجرأة بالفجاجة.

ويظهر الإتقان الحقيقي في إدارة الملفات الحساسة دون أن تتحول إلى أزمات مفتوحة. فحرية الرأي محفوظة، لكنها ليست مطلقة من أثرها. والنقد مشروع، لكنه ليس مبررًا للهدم. وهذه المسافة الدقيقة بين الإتاحة والمنع، بين الحرية والمسؤولية، هي أصعب ما في إدارة الإعلام، وقد جرى التعامل معها بعقل بارد ونَفَس طويل.

ولا يغيب عن هذه الرؤية أن الإعلام في جوهره إنسان قبل أن يكون مؤسسة. فالقائم بالاتصال هو حجر الأساس، ورفع وعيه المهني أكثر فاعلية من أي لائحة. لذلك يظل الاهتمام بالتأهيل وبناء الحس المهني جزءًا أصيلًا من فلسفة الإدارة، انطلاقًا من قناعة بأن الضمير المهني هو أفضل أدوات التنظيم.

في المحصلة، يمكن القول إن تجربة خالد عبد العزيز في رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تمثل محاولة جادة لإعادة الاتزان إلى مشهد اختل طويلًا. محاولة لا تعتمد على القبضة، بل على العقل، ولا تراهن على الصدام، بل على التراكم الهادئ. وهي تجربة تقول، دون شعارات، إن الكلمة حين تُدار بحكمة، تصبح عنصر بناء لا معول هدم، وتتحول من مصدر توتر إلى ركيزة استقرار.

هكذا تُدار الكلمة حين يكون خلفها عقل دولة، لا ضجيج شاشات.