مصطفى صلاح يكتب: علا الشافعي.. أصالة الصحافة وروح الوفاء

Feb 25, 2026 - 22:25
Feb 25, 2026 - 22:26
مصطفى صلاح يكتب: علا الشافعي.. أصالة الصحافة وروح الوفاء

حين تخطو في عالم الصحافة، تجد أن الأسماء تتلاشى مع مرور الوقت، لكن هناك قلة قليلة يظل صداها باقياً، ليس في الأوراق فقط، بل في وجدان كل من عرفهم وعاش معهم لحظة، وتلمس من خلالهم معنى الاحتراف والإنسانية معاً. من هؤلاء القلة، تبرز الكاتبة الصحفية علا الشافعي، التي لم تكن مجرد كاتبة تضع حروفاً على صفحات الجرائد، بل كانت عنواناً للصدق، وأيقونة للأصالة التي تنبع من التربية الراقية، ومن وعيٍ متأصل بأن الصحافة رسالة ومسؤولية قبل أن تكون وظيفة.

عرفت علا الشافعي عن قرب خلال فترة عملنا سوياً في مؤسسة الأهرام، وتحديداً في مكتب الزميل الصحفي محمد عبد اللاه بالديسك المركزي، أيام الكاتب الصحفي الراحل إبراهيم نافع، حين كان الديسك صرحاً يضم نخبة من الصحفيين، ويزخر بالحياة اليومية المليئة بالمهام والتحديات. كانت علا بيننا كأنها واحة من هدوء الحضور ووضوح الرؤية؛ تتحدث بصوتها الرزين، وتكتب بحروفها المتزنة، وتستمع قبل أن تتكلم، فتستوعب المعنى قبل أن تبتكره.

لكن ما يميز علا، ويجعلها فريدة، ليس فقط أسلوبها الصحفي، بل جوهر شخصيتها الإنسانية. فقد شاهدت بنفسي وقوفها في الصف الأول لاستقبال عزاء الزميل الراحل محمود نصر، وهي تقف بكل احترام وتقدير، وكأنها تجسد بقفة واحدة كل قيم الوفاء والصداقة والزمالة التي طالما صدّقتها في حياتها اليومية. لم يكن مجرد موقف عابر، بل رسالة واضحة لكل من حولها: الصحافة ليست مجرد حروف وكلمات، بل وفاء وحضور في كل لحظة تستحق الاحترام، سواء في الحياة أم في وداع الراحلين.

لقد كانت علا نتاج بيئة وثقافة متجذرة في أصالة المصريين، وقد انعكس ذلك في كل كتاباتها، وفي كل موقف لها. تربيتها التي جمعت بين الانضباط والتواضع، علمتها أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل واجب تجاه المجتمع والحقائق، وأن قوة الكلمة تنبع من صدق الكاتب نفسه، قبل أن تنبع من الحروف على الورق. ومن خلال هذا الوعي، استطاعت علا أن تصنع لنفسها مكانة محترمة بين الزملاء، تجمع بين الحزم والرقة، بين المهنية والإنسانية، بين الإبداع الصحفي والوفاء الصادق.

ولا يمكن أن ننسى تلك الأيام في الأهرام، حيث كنا نتبادل الأفكار والحوارات، وتظل علا دائمًا حاضرة بروحها الراقية، تلتقط كل تفصيل، وتستوعب كل موقف، وتترجمه بأسلوبه الراقي الذي يلمس القلوب قبل العيون. كانت مثالاً حيًّا على ما يمكن أن تكون عليه الصحافة حين تتحد فيها القدرة على التعبير مع حساسية عالية تجاه الناس والأحداث، ووعي كامل بأن لكل كلمة وقعها، ولكل موقف أثراً لا يُمحى.

وعندما نعود إلى موقفها في جنازة محمود نصر، ندرك أن علا ليست مجرد زميلة أو كاتبة، بل رمز للوفاء، نموذج للحضور الإنساني المتجذر في قلب كل صحفي يؤمن بأن العمل الصحفي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالضمير. فذلك الصف الأول الذي اختارته لم يكن مجرد ترتيب في المكان، بل كان تعبيراً عن تقدير للزميل، عن احترام للتاريخ المشترك، وعن وفاء للروح التي شاركتها لحظات العمل، والكتابة، والمثابرة.

إن علا الشافعي، في كل تفاصيل حياتها المهنية، تؤكد أن الصحافة لا تُقاس بعدد المقالات أو الصفحات، بل بما تزرعه في قلوب من يقرأها، وبالرسالة التي تنقلها عن قيم الحق والصدق والإنسانية. فهي لم تسعَ وراء الشهرة، ولم تتخلَّ عن مبادئها، ولم تجعل المهنة وسيلة للانحراف عن الطريق القويم. بل كانت دائماً شاهدة على نفسها، على زملائها، وعلى المجتمع، تؤمن بأن الكتابة مسؤولية قبل أن تكون موهبة، وأن الوفاء للأخلاق المهنية والإنسانية هو الأساس الذي يبنى عليه كل شيء.

ومن يعرف علا الشافعي عن قرب، كما عرفتها أنا شخصياً في تلك الأيام في الأهرام، يدرك أن وراء كل مقال لها روح حقيقية، وأن خلف كل موقف لها قصة من الالتزام، وأن حضورها في كل مناسبة، سواء في العمل أو في وداع الزملاء، هو امتداد طبيعي لشخصية متأصلة في قيم الأصالة والوفاء والإنسانية. إنها الكاتبة التي تجعل من الصحافة فناً، ومن الوفاء سلوكاً، ومن كل لحظة في الحياة درساً في الكرامة والصدق.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن علا الشافعي ليست مجرد كاتبة صحفية، بل رمز حيّ للصحافة التي نحبها: مؤصلة في قيمها، متجذرة في تربيتها، صادقة في موقفها، وفية لزملائها، حاضرة في كل لحظة تستحق التقدير، ومخلدة في صفحات التاريخ الصحفي بأعمالها ومواقفها، وبما تزرعه في وجدان كل من عرفها وشاركها الطريق الصحفي.