مصطفى صلاح يكنب: «تفاصيل بلا تفاصيل.. حين يتحوّل الاتهام إلى ستارٍ للهروب من النقد»
ليس أسهل على أي مذيعة، حين يضيق صدرها بالنقد، من أن تلوّح براية الاتهام الشخصي، وكأن الخلاف المهني لا يمكن أن يكون إلا ثمرة رغبة خفية أو مصلحة ضائعة. هكذا تُختزل المسألة من نقاش مهني مشروع حول مضمون برنامج وأدائه، إلى حكاية مُعلَّبة عن شخص “كان يريد أن يعمل معنا ولم يُتح له ذلك”. وهي حكاية، في حالتي هذه، لا أساس لها من الصحة، ولا تمتّ للواقع بصلة، ولا تليق أصلًا بمقام النقاش الإعلامي الجاد.
يا مذيعة تفاصيل، لستُ ممّن يطاردون الوظائف خلف الكاميرات، ولا ممّن يقفون على أبواب البرامج طلبًا لمقعد في غرفة الإعداد، ولا ممّن يقايضون النقد بالفرص. مساري المهني واضح، وسيرتي التحريرية معروفة، ومسؤولياتي الإعلامية لم تكن يومًا هامشية أو عابرة. تولّيت رئاسة تحرير برامج جماهيرية كبرى على شاشات رسمية، حيث تُقاس الكفاءة بالقدرة على الإدارة والتحرير وصناعة المحتوى، لا بالقرب من المذيعة ولا بالجلوس إلى جوارها. ومن هنا، يصبح الادعاء بأن انتقادي لبرنامجك سببه “رغبة في العمل معك” ادعاءً هشًا، لا يصمد أمام المنطق ولا أمام التاريخ المهني.
النقد، يا مذيعة تفاصيل، ليس سبًّا ولا تشويهًا ولا تصفية حسابات، بل هو فعل مهني أصيل وواجب أخلاقي. النقد هو روح الإعلام الحي، وبدونه تتحول الشاشات إلى مرايا مغلقة لا ترى إلا نفسها. وعندما ننتقد «تفاصيل»، فإننا لا نفعل ذلك بدافع الخصومة، بل بدافع المسؤولية: مسؤولية السؤال عن المعايير، وعن مضمون ما يُقدَّم للناس، وعن اللغة المستخدمة، وعن الثقافة التي يفترض أن يحملها من يتصدر المشهد الإعلامي.
ولكي يكون الكلام واضحًا بلا مواربة: الرسائل المتبادلة، أو ما يُسمّى بـ“الشات”، لا تُعدّ دليل إدانة، ولا يمكن اتخاذها سندًا لرواية اتهام يتم تسويقها للرأي العام. لقد كان طلبي للحوار طلبًا مهنيًا خالصًا، هدفه مناقشة سلبيات البرنامج، وتسليط الضوء على ما أراه خللًا في الأداء، وضعفًا في الإعداد، وتراجعًا في الالتزام بأبسط قواعد اللغة العربية نطقًا وتعبيرًا. الحوار، في الإعلام المحترم، وسيلة تصحيح لا أداة ضغط، ومساحة مواجهة لا حيلة التفاف.
وأقولها هنا بوضوح لا لبس فيه: لا يحق لأي «صبي»، مهما كان موقعه أو الجهة التي يتوارى خلفها، أن يظن أن التهديد عبر تطبيقات المراسلة وسيلة لإسكات رأي أو كبح نقد. الواتساب ليس محكمة، والتهديد ليس حجة، ومن يلجأ إليه إنما يعلن إفلاسه المهني قبل أن يكشف خواء منطقه.
إن أخطر ما يواجه الإعلام اليوم ليس الهجوم عليه، بل تحويله إلى مساحة محصّنة ضد النقد، لا تسمع إلا صوتها، ولا ترى إلا صورتها. حين يُقدَّم النقد على أنه “غيرة”، ويُختزل الاعتراض في “دافع شخصي”، نكون أمام إعلام يهرب من المراجعة إلى الاتهام، ومن التطوير إلى الدفاع الأعمى عن الذات. وهنا، لا يعود السؤال: من ينتقد؟ بل يصبح السؤال الحقيقي: لماذا لا نحتمل النقد؟
اللغة العربية، يا مذيعة تفاصيل، ليست تفصيلة جانبية ولا زينة شكلية تُضاف عند اللزوم، بل هي العمود الفقري للمهنة. المذيعة التي لا تُحسن النطق، ولا تميّز بين المعاني، ولا تحترم قواعد لغتها، كمن يصعد إلى منصة الخطابة وهو يجهل أبجدياتها، ثم يستغرب سقوط المعنى قبل اكتمال الجملة. أما الثقافة العامة، فليست ادعاءً يُقال أمام الكاميرا، بل رصيد يظهر تلقائيًا في السؤال، وفي إدارة الحوار، وفي القدرة على الفهم قبل الرد.
الإعلام ليس مساحة استعراض، ولا حلبة للانفعال، ولا منصة لتبادل الاتهامات. الإعلام مهنة قاسية، لا ترحم من يستخفّ بها، ولا تجامل من يظن أن الظهور المتكرر يغني عن التطوير. ومن يعتقد أن النقد تهديد، لا فرصة، يعترف – من حيث لا يدري – بهشاشة أدواته وضيق أفقه.
أما الزجّ بالخلفيات الشخصية أو التلويح بتاريخ الآخرين، فذلك مسار لا يليق بالإعلام ولا بأهله. النجاح لا يُورَّث، والفشل لا يُبرَّر، والمهنة لا تُثبت بالادعاء بل بالفعل. الإعلامي الحقيقي هو من يرى في النقد مرآة، لا سكينًا، وفي السؤال فرصة، لا إهانة.
ليس هدفي من هذا المقال النيل من شخصك، ولا التشكيك في نواياك، بل وضع الأمور في نصابها الصحيح. أنا لا أبحث عن عمل، ولا أطمع في مساحة، ولا أتحرك بدافع شخصي. ما أفعله، وسأظل أفعله، هو ممارسة حقي في النقد، والدفاع عن فكرة واضحة: أن الإعلام مهنة لها أصول، وأن البرامج لا تُقيَّم بالصوت العالي، بل بالمحتوى، ولا تُحصَّن بالاتهام، بل بالمراجعة والتطوير.
أسهل طريق، في زمن الالتباس، أن نقول “هم يهاجمونني”، وأصعب طريق أن نقول “ربما أخطأت”. وبين الطريقين، يُحدَّد موقع الإعلامي الحقيقي. أما أنا، فسأبقى في موقع الكلمة، أكتبها بحدّة الوعي لا بحدة الخصومة، وأسخر من الفكرة لا من الشخص، وأنتقد الأداء لا النوايا، لأن الإعلام، في النهاية، لا يُبنى بالتصفيق، بل بالمساءلة.