مصطفى صلاح يكتب: منى العمدة.. مزيج القوة والنعومة في امرأة واحدة
ثمة وجوه حين تمر أمامك لا تخلف مجرد انطباع.. بل تترك خريطة كاملة للضوء.. كأنها تُعيد ترتيب الهواء حولها. منى العمدة واحدة من تلك الوجوه التي لا يمكن قراءتها قراءة سطحية.. لأنها لا تُعرّف من الخارج.. بل تُقرأ من الداخل. حضورها ليس مجرد طلة إعلامية.. بل حالة فكرية وروحية تجمع بين الذكاء الذي يعمل في صمت.. والجمال الذي لا يطلب الاعتراف.. والثقافة التي تسبح كتيارٍ خفي تحت الكلام.
إنها ليست صورة تُرى.. بل شخصية تُفكَّك.
وليس حضورها صفاتٍ تتراص.. بل ظاهرة تتشكل.
حين تظهر على الشاشة تشعر أن هناك من يضبط إيقاع اللحظة.. لا بنبرة عالية.. بل بسكينة واعية. هذا الهدوء الذي تتسلل به إلى وعي المشاهد هو جوهر قوتها.. لأنه هدوء واثق.. يشبه وقفة النهر قبل أن ينعطف.. وقفة تجمع في داخلها طاقة كاملة من الفهم والرصد والالتقاط.
ذكاؤها ليس من النوع الذي يستعرض نفسه.. بل من النوع الذي يتوارى قليلًا كي يسمح للفكرة أن تتقدّم. ذكاء يقرأ المسافة بين الكلمات.. ويستخلص المعنى من المناطق التي لا يراها الآخرون. وحين تسأل.. تسأل بعين تقرأ أبعد مما تسمع.. وبحسّ يلتقط ما بين السطور قبل أن يلتقط السطور ذاتها.
أما ثقافتها فهي ليست ثقافة الاقتباس ولا ثقافة الزينة.. بل ثقافة تكوين داخلي.. ثقافة يبرز أثرها من طريقة ترتيب الجمل.. من اختيار المفردة الدقيقة.. من قدرتها على جعل الحوار كيانًا حيًا يذكّر بأن المعرفة ليست حشدًا من المعلومات.. بل بناءٌ عقلي وروحي يحمل صاحبه حيث لا يستطيع الضجيج أن يصل.
جمالها هو ذلك النوع الذي لا يدخل في منافسة مع المعنى.. بل يجاوره في انسجام. ليس جمالًا ضوئيًا.. بل جمالٌ نفسي.. مزيج من رقة في الملامح وصلابة في العمق.. من نعومة في التعبير وحدّة في البصيرة. إنه جمال الشخصية.. لا جمال الصورة. جمال يشبه الضوء حين ينكسر على صفحة الماء.. ناعم في مظهره.. شديد في جوهره.
إنسانيتها ليست إضافة.. بل أساس. تظهر في التفاصيل الصغيرة قبل اللحظات الكبيرة.. في التوقفات القصيرة بين سؤال وآخر.. في الاحترام الذي تمنحه للضيف قبل أن تمنحه الكلام.. في ذلك الخيط الخفي من الدفء الذي يجعل المشاهد يشعر بأنها لا تتحدث عبر الشاشة.. بل عبر القلب. وهذه الإنسانة في داخلها هي ما يجعل الأداء له روح.. وليست مجرد وظيفة.
هي لا تعتمد على مجد قادم من لغة المديح.. ولا على لقب يُرفع في الهواء كما تُرفع اللافتات.. بل تعتمد على حضور يبني نفسه بنفسه. حضور متماسك.. ممهور بوعي أن الظهور مسؤولية.. وأن الكلمة وزن لا يخف حتى لو ألقيت بخفة.
إن منى العمدة ليست مجرد مقدمة برامج.. ولا مجرد وجه جميل يمر.. إنها صيغة كاملة لشخصية تعرف كيف تُمسك بخيوط اللحظة وتعيد نسجها بطريقتها الخاصة. طريقة تجمع بين الاتزان الداخلي.. والحدة الفكرية.. والقدرة على تحويل الحوار إلى مساحة كشف لا مساحة صخب.
وبهذا.. يتجاوز حضورها حدود الشاشة.
يتجاوز الفكرة البسيطة عن الإعلامية إلى صورة أشمل:
صورة إنسان يمتلك من الوعي بقدر ما يمتلك من الذوق.. ومن العمق بقدر ما يمتلك من الجاذبية.. ومن الصدق بقدر ما يمتلك من الحضور.
منى العمدة ليست ظاهرة تُشاهد.. بل تُقرأ.
ليست طلة.. بل معنى.
ليست جمالًا عابرًا.. بل شفافية فكرية وروحية تتجسد في إنسانة تعرف أن الضوء الحقيقي لا يأتي من الخارج.. بل يتفجّر من الداخل حين تكون الشخصية متصالحة مع ذاتها.. واثقة من أدواتها.. عميقة في رؤيتها.