د. أيمن إمام يكتب: النشاط البدني… الدواء الصامت الذى يعيد ضبط الجسم من الداخل
بعد أن تناولنا في الأسبوع الماضي مفهوم “التغذية الذكية من الحفظ إلى الفهم”، وكيف تعيد اختياراتنا الغذائية تشكيل الهرمونات والمناعة والدماغ، ننتقل اليوم إلى المبدأ الثاني من مبادئ طب نمط الحياة: "النشاط البدني".
فإذا كانت التغذية تُغذّي الخلايا وتمدها بالوقود الحيوى ، فإن الحركة هى التى تفعلها وتوجه الطاقة لعمليات الحفاظ الذاتى ومنع التلف الخلوى .
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية ومراجعات مجلة لانسيت الطبية ، فإن الانتظام في النشاط البدني يمكن أن يخفض خطر الإصابة بالأمراض المزمنة بنسبة ٤٠–٦٠٪، ويُعدّ واحدًا من أقوى التدخلات المعروفة لتعزيز الصحة على مستوى العالم.
لماذا يُعد النشاط البدني ركيزة أساسية في الوقاية والعلاج؟
١) تحسين حساسية الأنسولين الخطوة الأولى لحماية التمثيل الغذائي
تُظهر الأبحاث أن ٢٠–٣٠ دقيقة من النشاط المعتدل كافية لرفع حساسية العضلات للإنسولين لمدة تصل إلى ٤٨ ساعة.
وهذا ما يجعل الحركة جزءًا لا غنى عنه في الوقاية من السمنة والسكري، وفق توصيات الكلية الأمريكية لطب نمط الحياة.
٢) العضلات… مصنع حيوي يتحدث إلى كل أجهزة الجسم*
توصف العضلات اليوم بأنها أكبر غدة هرمونية في الإنسان.
أثناء التمرين، تفرز العضلات مواد تُسمّى مايوكاينات تعمل كمضادات التهاب طبيعية، وتُحفّز حرق الدهون، وتحسّن وظائف المناعة، وتدعم صحة الدماغ.
وقد ربطت أبحاث هارڤارد بين ارتفاع هذه المايوكاينات وانخفاض خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.
٣) الدماغ يتحسن بالحركة قبل أن تتحسن العضلات
تشير الدراسات إلى أن النشاط البدني يرفع مستويات بروتين BDNF ، وهو مركّب حيوي مسؤول عن نمو الخلايا العصبية وتقوية الذاكرة.
كما تُظهر إحصاءات منظمة الصحة العالمية انخفاضًا ملحوظًا في معدلات القلق والاكتئاب لدى الأشخاص النشيطين، ما جعل الحركة تدخل ضمن التوصيات العلاجية لحالات الاكتئاب الخفيف والمتوسط.
٤) تأثير مباشر على ضغط الدم والدهون والالتهاب
تثبت البيانات أن الانتظام في المشي أو التمارين الهوائية يؤدي إلى:
- خفض ضغط الدم الانقباضي بمقدار ٥–٨ ملم زئبق
- رفع الكوليسترول النافع HDL
- خفض الدهون الثلاثية
- تحسين كفاءة الميتوكوندريا ومستوى الالتهاب في الجسم
وكل ذلك يحدث بآلية طبيعية دون الحاجة إلى تدخل دوائي.
ما الذي يجعل الحركة “دواءً متعدد المسارات”؟
على عكس كثير من الأدوية التي تعمل على مسار واحد، فإن النشاط البدني يعمل بشكل متزامن على :
- التمثيل الغذائي
- الالتهاب
- الجهاز العصبي
- الهرمونات
- الصحة النفسية
- الدورة الدموية
ولهذا يصفه باحثو هارفارد بأنه “ الدواء الأقوى الذي لا يُكتَب في روشتة.
كيف نطبق المبدأ الثاني في الحياة اليومية؟*
١- الحركة اليومية كنمط حياة
أظهرت بيانات المركز الامريكي لمكافحة الأمراض والوقاية CDC أن المشي ٣٠–٤٥ دقيقة يوميًا يقلل خطر الوفاة المبكرة بنسبة تصل إلى ٣٥٪.
٢- تدريبات المقاومة
ممارسة تمارين المقاومة خاصة مع التقدم فى العمر (هى تمارين لتقوية العضلات مثل رفع الاثقال،الضغط والقرفصاء ) مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا ترفع معدل الحرق، تقوي العضلات والعظام، وتُحسن حساسية الإنسولين.
٣- التمارين الهوائية (الكارديو) وقود القلب والرئتين
التمارين الهوائية أو الكارديو هي أي نشاط يرفع ضربات القلب والتنفس بشكل مستمر لمدة ١٠–٦٠ دقيقة، مما يعزز صحة القلب والرئتين ويزيد حرق الدهون.
مثل المشي السريع ، الجري أو الهرولة، ركوب الدراجات ، السباحةونط الحبل وصعود السلالم .
وهي تمارين أثبتت قدرتها على خفض ضغط الدم ، تحسين الدهون ، وتقليل الالتهاب بشكل واضح .
٤- تقليل الجلوس… حتى لو كنت تتمرن
تشير الأبحاث إلى أن الجلوس لأكثر من ٨ ساعات يوميًا يرفع خطر الإصابة بالسمنة والسكري حتى عند ممارسي الرياضة.
والحل بسيط: ٣–٥ دقائق حركة كل ساعة.
٥- التدرج والاستمرارية
لا تحتاج إلى مجهود كبير لبناء صحة قوية… بل تحتاج إلى الاستمرارية.
ابدأ بخطوات صغيرة ثم زد الشدة تدريجيًا.
الخلاصة
النشاط البدني ليس تمرينا فقط… إنه عملية “ إعادة برمجة فسيولوجية ” تعيد للجسم توازنه من المستوى الخلوي إلى الدماغ.
ومع التغذية الذكية التي ناقشناها الأسبوع الماضي، يشكل هذا المبدأ حجر الأساس في بناء صحة مستدامة ووقاية طويلة المدى.
في المقال القادم ، سنتناول المبدأ الثالث من مبادئ طب نمط الحياة: النوم والاستشفاء الحيوي… وكيف يشكلان مركز القيادة في تجديد الجسم والعقل.