مصطفى صلاح يكتب: عمرو صحصاح.. عريس الملتقى

Nov 29, 2025 - 14:25
Nov 29, 2025 - 15:05
مصطفى صلاح يكتب: عمرو صحصاح.. عريس الملتقى

هناك لحظات في تاريخ أي حدث لا تصنعها الأضواء، بل يصنعها رجل واحد يحمل على كتفيه روح المكان، ويصبّ في عروقه دمًا جديدًا، ويمنحه ملامحه الحقيقية. في الدورة الأخيرة من ملتقى التميز والإبداع، كان ذلك الرجل هو عمرو صحصاح، ليس مديرًا للملتقى فحسب، بل روحه النابضة، ونواته الصلبة، وقلبه الذي خفق حتى اهتزّت له أرجاء القاعة.

لم يكن وجوده في الملتقى وجود موظف يؤدي عمله، بل حضور «قيمة» تمشي على قدمين. حضور رجل يدرك أن الفكرة لا تُبنى بالكلام، بل بالفعل؛ وأن النجاح ليس قشرة براقة، بل جوهر مكثف يلمع من الداخل. كان يتحرك كأنه يعرف أن هذا الملتقى ليس مجرد فعالية، بل قطعة من وجه الوطن، لوحة يجب أن تُصاغ بعرقٍ نظيف، وجهدٍ واعٍ، وعقلٍ لا يسمح بأن تنحني التفاصيل أو تضطرب الخطوات.

عمرو صحصاح هو ذلك النوع من الرجال الذين يُشعرونك أن التنظيم ليس علمًا فقط، بل إحساسٌ دافق، وحسٌّ داخلي يعرف أين تُوضع كل لبنة لتصنع بناءً لا ينهار. كان يمشي بين الكواليس كأنه يمشي داخل خريطة يعرفها سطرًا سطرًا، لا يترك شاردة صغيرة تذهب بعيدًا، ولا يسمح لثغرة أن تنبت وسط مشهد أراده مكتملًا، موّحدًا، ومشدودًا كوتر مشدود لا يخطئ النغمة.

ولعل السر في حضوره أنه كان يرى الملتقى كـ أمانة، لا كمنصب، كرسالة، لا كمنصة؛ كجسر بين المبدعين والوطن، لا مجرد حدث يمضي في رزنامة الأيام. لذلك أصبحت هذه الدورة - دون مبالغة - «لحظته». لحظة رجل حمل الفكرة في صدره، ثم نفخ فيها الروح، فصارت كائنًا مستقلًا ينهض أمام أعين الجميع.

ومَن شاهده وهو يدير المشهد، يدرك أنه كان يكتب «معزوفة» لا برنامجًا؛ ينسّق إيقاعًا لا جدولًا؛ يشرف على «روح» لا على مسرح. كان يضبط الحركة كأنه يقود أوركسترا لا تحتمل نشازًا واحدًا.. إضاءة تومض في وقتها، ضيف يدخل في توقيته، كلمة تسقط في مكانها كقطرة ماء فوق صخر عطشان.

إنه ذلك الطراز النادر من الرجال الذي يملك «حسّ البناء»؛ الحس الذي يميّز بين الحدث الذي يُقام والسلام الداخلي الذي يجب أن يُصاحب كل لحظة. فالمؤسسات - في نظره - لا تُدار بالهيبة، بل بالهبة؛ بالحب قبل الانضباط؛ بالمسؤولية قبل التكليف.

وهكذا بدا الملتقى وكأنه يتحول تحت يده من فعالية إلى حالة، من لقاء إلى طاقة، من تجمع إلى روح كبيرة تحلق فوق الجميع وتقول: إن هناك رجلًا يعرف ما يفعل.

لقد لمس الجميع أثر جهده؛ حتى الوجوه العابرة أحسّت أن شيئًا جديدًا يتحرك في الهواء.. انضباط بلا قسوة، جمال بلا مبالغة، تسلسل بلا فوضى. كأن الملتقى اتخذ شكله الطبيعي لأول مرة، كأن رئتيه امتلأتا بالهواء الصحيح، وكأن عمرو صحصاح قال له بصمت: «قم.. فأنت تستحق أن تُرى كما يجب».

إن عمرو صحصاح ليس رجلًا يظهر في الواجهة ليقطف الثمار؛ بل هو الذي يزرع البذرة، ويحرث الأرض، ويسقي الفكرة، ويترك للآخرين فرحة الإزهار.

قدم للمشهد معنى القيادة الهادئة: القيادة التي تعمل بلا صخب، وتنتصر بلا إعلان، وتنجح بلا أن تلوّح بيدها للجمهور.

والأهم من ذلك كله أنه لم يفعل ما فعل ليُصفّق له الناس، بل ليصفّق الحدث لنفسه.

لقد كان - بمعنى الكلمة - العمود الفقري لهذه الدورة. فمن دونه كانت التفاصيل ستتقوس، وكانت الخطوات ستتباطأ، وكان البناء سيقف على قدم واحدة. لكنه أعاد التوازن، وأعاد الثقة، وأعاد للمكان نبضه الذي كاد يبهت في الدورات الماضية.

وإذا كان لكل دورة «وجه» يظل محفورًا على جدران الذاكرة، فإن وجه هذه الدورة هو عمرو صحصاح, رجلٌ حمل الملتقى كما يحمل الأب ابنه، بحنانٍ شديد وقوة أشد، بصرامة حين يجب، ورقّة حيث ينبغي، حتى خرج الملتقى كما يخرج العرس الكبير: مكتملًا، ناضجًا، جميلًا، يتنفس الجمال ويتحدث بلغة الإبداع.

وهنا، يصبح وصفه بـ «عريس الملتقى» ليس مجازًا، بل حقيقة كاملة.. فهو العريس الذي لا يطلب التصفيق، بل يمنحه، والذي لا ينتظر التحية، بل يصنع لها سببها، والذي لا يبحث عن مكان فوق المسرح، بل يمنح المسرح مكانه.

لقد صنع الرجل مجده بصمت، وترك بصمة لا تُمحى، وأثبت أن القيادة ليست لقبًا، بل روحًا تضخ الحياة في المكان.

وبهذا استحق - بجدارة وبلا منازع - أن يكون.. عمرو صحصاح.. عريس الملتقى.