د.حازم الشاذلي يكتب: ما بين القمة والقاع والدراما الأبوية
بمناسبة قرب ظهور نتيجة الثانوية العامة اعتدنا نحن كمصريين أن نتبنى تعريفات ومفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان ونتميز بها عن بقية خلق الله منها مثلاً مفهوم كليات القمة والذى لا أجد له نظير بصراحة٠
يظن بعض المصريين أن قمة النجاح والفلاح أن يلتحق الإبن أو الإبنة بكلية الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو الأسنان أو الاقتصاد والعلوم السياسية وتكون المصيبة الكبرى أن يفشل فى ذلك وكان الله لم يخلق إلا الاأطباء والمهندسين!!
والحقيقة التى ندركها جميعا هو أن معايير النجاح والوظيفة المرموقة تتغير بتغير الزمن وأن لا شىء يبقى على حاله كما أن هناك معايير أخرى وهى رغبات الإنسان ومواهبه واستعداده الفطرى والنفسي.
عام ٢٠١٥ كتبت رواية الفالح والتى استوحيتها من جزء من سيرة شخصية مرموقة فبطلها شاب متفوق حصل على مجموع ضخم فى الثانوية العامة وترتيب على المحافظة واختار أن يلتحق بكلية الزراعة وأن يحقق فيها تفوقاً ملحوظاً ويعين بها فلديه أحلام تتعلق بمستقبل الزراعة فى مصر وعلى سبيل المثال استصلاح أراضى سيناء وزراعتها وفوجىء بثورة الجميع عليه فكيف لا يستغل مجموعه الكبير ويلتحق بالطب كيف يرفس النعمة التى يتمناها الكثيرون ؟ ولكنه يرفض الاحتجاجات ويلتحق بالزراعة ويحقق نجاحاً كبيراً نجاح منقوص بلا شك وهذه عقدة الرواية !
وأنا أرى أن كلية الزراعة هى الكلية التى يجب أن يتهافت عليها الطلبة فمصر كانت وما زالت وستظل بلداً زراعياً فى المقام الأول وعيب على مصر والتى كانت مخزناً للغلال للإمبراطورية الرومانية والعالم كله أن تستورد حالياً القمح٠
كان لى زميل فى كلية الطب نابغة فى الرياضيات وكان حلمه أ يلتحق بالعلوم ويصبح عالماً فى الرياضيات أو الفلك واحتج والده بشدة واستخدم الدراما الأبوية المصرية الخالدة قلبى قلبى قلبى حايموتنى يا ناس فرضخ الزميل والتحق بالطب ولم يتخرج منها قط وضاع من قدمه الطريق وتفرقت السبل وأخيراً عمل فى مجال الكمبيوتر وخسرنا عالم فلك والأمثلة مثل ذلك كثيرة وهناك من تمردوا فأفلحوا ولكن رضخ الكثيرون فلم تكن النتائج كلها جيدة وحالياً تمرد بعض من أبناء أساتذة الطب ورفضوا أن يكملوا مسيرة الأباء وقرروا ألا يعيشوا فى جلابيب أبائهم واختاروا مجالات أخرى ونبغوا فيها وبالفعل يشهد المجتمع فى جزء منه تراجع فى قبول وظائف السلك الجامعى الطبي بعد أن كان حلم أبناء جيلنا فقد أدرك الجميع أن ليس كل من تخرج من الطب سيكون مجدى يعقوب أو غنيم وأن الكثير من الأطباء وللاأسف الشديد يعتبروا من الفقراء.
المسألة يا ناس استعداد شخصى وميل ورغبة وشغف ولباقة فى الاختيار ٠
كلية الصيدلة من الكليات شديدة الصعوبة وهى حلم للكثيرين ولكن دعنا ننظر إلى الواقع الأغلبية من الصيادلة يعملون كبائعى أدوية فى الصيدليات أو مندوبين دعاية فهل كان هذا حلمهم ؟
والكثير من المهندسين تركوا العمل فى المواقع وراحوا يعملون فى المبيعات فهل هذا كان فعلاً حلمهم أم أنها متطلبات السوق والعرض والطلب؟٠
تخرج عادل إمام والسعدنى ودلال عبد العزيز وسمير غانم من الزراعة وتركوها وأصبحوا من هم فماذا لو من البداية التحقوا بمعهد السينما أو الفنون المسرحية ؟
أنا لن أحذو حذو البعض وأقول أن الشهادة الجامعية لا لزوم لها وأن لامين يامال لم يلتحق بالجامعة مثلاً فأنا اؤمن أن أى معلومة دراسية تدخل عقلك فهى تولد الآف الخلايا فى عقلك ووعيك فلابد من الدراسة ومسالة أن بيل جيتس فى مجال الكمبيوتر أيضاً لم يتخرج من الجامعة ولا عمر الشريف تخرج من معهد السينما والأستاذ محمد حسنين هيكل حاصل على التجارة المتوسطة ليست مقياساً فهى طفرات لا تتكرر كثيراً فلا أحد يحاول أن يخدعك ويقلل من أهمية دراستك ولكن عليك أن تختار ما تدرسه ويكون لك رؤية .. لى قريب لم يتمكن من الالتحاق بالاقتصاد والعلوم السياسية ليصبح سفيراً كما حلم والده فالتحق بكلية الألسن واختار دراسة اللغة التشيكية وسط دهشة الجميع فهى لغة ليست لها شعبية ولكن كانت له رؤية تخرج فى الكلية وتم تعيينه بمجرد التخرج فى سفارة التشيك ثم سافر إلى هناك وحصل على الجنسية كانت له رؤية الأستاذ أنيس منصور كان من أوائل الجمهورية فى الثانوية العامة وكان بإمكانه الإلتحاق بأى كلية ولكنه اختار اللآداب ونبغ فيها لأنه كانت له رؤية .
فى الماضى كانت كلية الحقوق هى التى تخرج الوزراء والكبراء واليوم أصبحت من الكليات التى تقبل بمجموع عادى هذا هو تغير الزمن ولكن إذا التحقت بها وفى قلبك ميل اليها وتفوقت فيها فمن الممكن أن تسلك سلك القضاء أو التدريس بالجامعه وهذا حلم الكثيرين.
للمرة المليون المسألة مسألة رؤيا لنفسك ولباقة فى الاختيار دعك من سخافات القمة والقاع وأنتم أيها الأباء دعكم من الدراما الأبوية واتركوا أولادكم فى حالهم وليتحملوا هم مسؤولية اختياراتهم ويهمني هنا أن أذكر مشهد في منتهي اللطف من فيلم قصر الشوق من ثلاثية العبقري نجيب محفوظ فبعد حوار أبوي سلطوي بين السيد أحمد عبد الجواد وبين إبنه كمال يستهجن فيه رغبة إبنه في الإلتحاق بمدرسة المعلمين العليا وبعد إنصراف سي السيد تدخل الست أمينة في الحوار وتسأل إبنها عن سبب الخلاف فيخبرها بأنه يريد أن يصبح معلماً ووالده يرفض فتتسائل الست أمينة بسذاجتها المعروفة معلم ٠٠معلم قهوة يعني فيصحح لها كمال ويذكر لها أن شوقي بك أمير الشعراء يقول كاد المعلم أن يكون رسولاً فتنطق أمينة بكل عفويتها. عليه الصلاة والسلام؛؛