د.ياسر حزين يكتب: محمد عبد الوهاب المطرب
لن أتحدث اليوم عن الموسيقار العظيم و إنما سأحادثكم قليلاً عن مطرب الطبقات الأرستقراطية و المجتمع المخملى الموهوب الذى أغرق فى التمسح بهذة الطبقات و عبر عن آمالهم و شجونهم حتى فى طريقة الملبس بالإسموكنج و البابيون .. و تسريحة الشعر و لكنه على ذلك لم يفتئت على حق الطبقات الشعبية التى خرج منها و كان أحد أبنائها البسطاء وإنما كان سفيرهم لدى الطبقات العليا .. و كان نفيرهم على عتبات الأرستقراطيين .. قلما ترى مطربا يراوح متألقا بين طبقات الشعب جميعاً .. تجده مغرقا فى إيقاعات الغرب كالفالس و السامبا و التانجو ولكنه يهدأ فى وسط اللحن ليسلطن المستمع البسيط بموال كبائعى الخضار و الروبابيكيا .. “ مثال: موال خلينى أحبك فى أغنية ليلى مراد ماليش أمل “
يرتحل صيفاً إلى باريس مع أمير الشعراء أحمد شوقي ليجالس الأمراء و يستمع للأوركسترا و يخلب لبه المتاحف و القصور و يعود ليجلس بجانب جوزة الشيخ الحريرى ليتسلطن به
مراحل تطور صوته و أغانيه كذلك قطعة فنية
تصور تطور الحياة نفسها ...
فى العشرينيات ..تستمع للصبى القادم متسحبا خلف الجرامافون بصوت عذب “ صابح “ كعسل جناين الفاكهة و هو يعرض مع أول خيط فى ضوء الفجر .. غناء كان من اﻷنف كأنما يحفر بحدة صوت طريق غناء قادم .. و هى الفترة التى إلتصق فيها بأمير الشعراء إلتصاق النحل بالزهرة و غنى له أنا أنطونيو .. منك ياهاجر دائى .. ياجارة الوادى.. اللى يحب الجمال .. و كذلك ﻷخرين .. مثل : أحب أشوفك .........
فى الثلاثينيات .. فترة بداية وهج الصوت و مواكبة أبناء جيله من الموهوبين كحسين السيد فى إجرى إجرى.. ثم جفنه علم الغزل لﻷخطل الصغير بشارة الخورى .. وغيرها.... متحكماً فى غنائه بعُرَب و حليات فى موضعها ،، مدروسة بشكل علمى لا يقحمها على موسيقاه فهو لم يلوِ عنق جملة موسيقية من أجل غزل التجويد حتى فى الموال يضبطه عشرات المرات قبل تضفيره مع الغناء ليبدو إرتجالياً و هو وليد التمحيص و الدقة.
ثم تجئ فترة اﻷربعينيات بوهج المطرب اﻷول و عنفوانه وتستمع له كرجل يعرف ما يريد .. قوة .. و نفاذ . . و مقدرة على الجذب .. وغنى فيها إسمح وقولى يانور العين .. عاشق الروح .. الكرنك .. كليوباترا ..
وتأتى الخمسينيات لتستمع لصوت الكهل الناضج الخبير الهادئ الذى ينحسر عنه ألق و عنفوان الشباب تدريجياً فتجد ذلك حاضرا فى أغانى الإنكسار فى .. أنا والعذاب وهواك .. آه منك ياجارحنى .. خى خى ..
بفكر فى اللى ناسينى ...
ثم تأتى الستينيات و مابعدها .. يغنى على عوده فى جلساته لنرى معاً سنة الكون فى فن الإنسحاب من موقع و مراوحة موقع آخر فى ذكاء .. يجزل فى العطاء فى سعيه لنظم ألحان فارقة لﻵخرين .. ليغنوا من روحه ما ضنت به أحباله الصوتية عليه أنت عمرى.. فكرونى .. أم كلثوم . . شكل تانى لنجاة ... لوﻻ المﻻمة لوردة .. و غيرها العشرات ..
ثم من غير ليه لنفسه وهى فى رأيى المعادل المصرى لتحفة فرانك سيناترا الخالدة
My way
...
مرثية عمر مثلها و ختام زينه الشجن أكثر مما ران عليه الحزن ، إنتقل فيه بصوت يهدهده العمر متسائلاً عن كنه الحب و العشق و الوله و الحياة و هو يلملم شتات روحه و يدفع رسوم المغادرة للحياة التى وَسِعَها حباً و ألقاً و عطاءً ...
رحم الله مطربي المفضل.