مصطفى صلاح يكتب: منى العمدة.. الوجه الآخر للنجاح
حين يصبح النجاح نتيجة طبيعية لسنوات من العمل، لا يعود الحديث عنه نوعًا من الاحتفاء بالنفس، وإنما يصبح شهادة على رحلة طويلة من التعب والإصرار والقدرة على تحويل الحلم من فكرة في الذهن إلى واقع يراه الناس أمامهم. وهذا بالضبط ما يمكن أن نتوقف أمامه ونحن نقرأ تجربة الإعلامية منى العمدة، التي استطاعت خلال سنوات من العمل الإعلامي أن تصنع لنفسها حضورًا واضحًا في مجال الإعلام العقاري، وأن تجعل من تجربتها المهنية مشروعًا يتجاوز حدود الشاشة إلى عالم الإنتاج والميديا وتنظيم الفعاليات.
منى العمدة لم تقدم نفسها باعتبارها مذيعة تظهر أمام الكاميرا فحسب، وإنما اختارت منذ البداية أن يكون لديها تخصص ومساحة مهنية واضحة، وهو أمر مهم في زمن أصبح فيه الظهور الإعلامي متاحًا للجميع تقريبًا، بينما أصبح التميز الحقيقي أكثر صعوبة. فأن تبني إعلامية اسمًا في مجال متخصص، وأن تحافظ على حضورها واستمراريتها، وأن تقدم محتوى قادرًا على أن يجد لنفسه مكانًا لدى الجمهور والقطاع المهني، فهذه ليست مسألة حظ، وإنما نتيجة عمل متواصل وإصرار على تطوير التجربة.
ويأتي برنامج «هنا الجمهورية الجديدة» باعتباره إحدى أبرز المحطات في هذه الرحلة، إذ استطاعت من خلاله أن تقدم نموذجًا للبرنامج العقاري الذي لا يتوقف عند عرض المشروعات والأخبار، وإنما يقترب من حركة التنمية والعمران والاستثمار، ويواكب التحولات التي شهدها القطاع العقاري في مصر خلال السنوات الأخيرة. ومع استمرار البرنامج وتطوره، أصبح اسم منى العمدة مرتبطًا بصورة الإعلامية المتخصصة في هذا المجال، وهو ما يؤكد أن التخصص حين يقترن بالاستمرارية يمكن أن يصنع علامة مهنية حقيقية.
لكن اللافت في تجربة منى العمدة أن طموحها لم يتوقف عند حدود العمل الإعلامي التقليدي.
فمن أمام الكاميرا إلى خلفها، ومن تقديم المحتوى إلى صناعة المحتوى، جاءت تجربة تأسيس «Moon Media» لتكشف جانبًا آخر من شخصيتها المهنية؛ جانب لا يكتفي بأن يكون جزءًا من المشهد، وإنما يريد أن يشارك في صناعته.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة.
أن تنتقل الإعلامية من كونها وجهًا معروفًا على الشاشة إلى صاحبة مشروع يعمل في مجالات الميديا والإنتاج وتنظيم الأحداث والبراندنج، يعني أنها لم تنظر إلى الإعلام باعتباره وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وإنما باعتباره صناعة واسعة يمكن أن تمتد إلى مجالات متعددة، وأن الخبرة التي اكتسبتها أمام الكاميرا يمكن أن تتحول إلى أدوات لصناعة مشروع مستقل له هويته وحضوره.
والنجاح في هذه الحالة لا يُقاس بعدد مرات الظهور، ولا بحجم الاحتفاء الإعلامي، وإنما بقدرة الإنسان على بناء شيء يستمر من بعده.
ومن هذه الزاوية، تبدو «Moon Media» امتدادًا طبيعيًا لطموح منى العمدة، لا مشروعًا منفصلًا عن تجربتها. فهي تعرف طبيعة الإعلام، وتفهم لغة الصورة، وتدرك أهمية التفاصيل في صناعة الحدث، وتعرف أن البراند الناجح لا يُبنى بكثرة الظهور وحدها، وإنما بالثقة والالتزام والقدرة على تقديم قيمة حقيقية.
ولعل أجمل ما في حديثها عن تجربتها أنها لم تنسب النجاح إلى نفسها وحدها.
فخلف كل اسم ناجح فريق، وخلف كل مشروع ناجح أشخاص يعملون بعيدًا عن الأضواء، وخلف كل لحظة نجاح ساعات طويلة لا يراها الجمهور. ولذلك كانت إشارتها إلى فريق «Moon Media» وإلى كل من وقفوا بجوارها في الرحلة، جزءًا مهمًا من الصورة؛ لأن الاعتراف بدور الآخرين لا ينتقص من قيمة النجاح، بل يمنحه قدرًا أكبر من النضج والإنسانية.
كذلك تظل الأسرة في مثل هذه الرحلات عنصرًا لا يمكن تجاهله. فالمشوار المهني، مهما بدا براقًا من الخارج، يحمل في داخله كثيرًا من الضغوط والتحديات واللحظات التي يحتاج فيها الإنسان إلى من يمنحه الثقة قبل أن يمنحه التصفيق.
ومن هنا يمكن فهم حالة الامتنان التي عبرت عنها منى العمدة وهي تنظر إلى سنوات مضت من عمر تجربتها. فالإنسان حين يصل إلى محطة مهمة لا يتذكر فقط لحظة النجاح، وإنما يتذكر الطريق كله؛ البدايات، والتردد، والمخاطرة، والعمل الطويل، والقرارات الصعبة، والأيام التي كان عليه فيها أن يواصل السير رغم أن النتائج لم تكن واضحة بعد.
وهذه ربما هي القيمة الأهم في تجربتها.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى مكان كنت تحلم به فقط، وإنما أن تصل إليه دون أن تفقد شغفك، وأن تظل بعد الوصول قادرًا على أن تحلم من جديد.
منى العمدة اليوم ليست فقط إعلامية لها حضورها في مجال العقارات، وإنما نموذج لرحلة مهنية تحاول أن تجمع بين الإعلام وريادة الأعمال وصناعة المحتوى. وهي تجربة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها وصلت إلى محطة نجاح، وإنما لأنها اختارت ألا تعتبر هذه المحطة نهاية الطريق.
ففي الإعلام، كما في الحياة، لا يكفي أن يعرفك الناس، المهم أن تعرف أنت ماذا تريد أن تترك وراءك.
وربما لهذا تبدو عبارتها البسيطة: «أنا تعبت… وربنا كرّمني» أكثر من مجرد جملة ختامية؛ فهي تلخص فلسفة رحلة كاملة، عنوانها العمل، وسندها الإيمان، ووقودها الطموح.
والأجمل في قصة منى العمدة أن الحكاية، كما تقول هي نفسها، لم تنتهِ بعد.
وهذا تحديدًا ما يجعل التجربة جديرة بالاحترام؛ فهناك فرق كبير بين إنسان يحتفل بما حققه، وإنسان يحتفل بما حققه ثم يعود في اليوم التالي ليبدأ حلمًا جديدًا.
منى العمدة اختارت الطريق الثاني… ولذلك يبقى ما حققته حتى الآن ليس خاتمة قصة نجاح، وإنما فصلًا جديدًا في حكاية إعلامية ما زالت تكتب سطورها.