السفير بيناك رانجان تشاكرافارتي يكتب: تأمين المجالات البحرية المشتركة

أغسطس 13, 2026 - 16:28
السفير بيناك رانجان تشاكرافارتي يكتب: تأمين المجالات البحرية المشتركة

تتمتع جغرافية شبه القارة الهندية بسواحل طويلة تمتد باتجاه الخليج العربي في غرب آسيا، وباتجاه جنوب شرق آسيا شرقًا. ولا شك أن ذلك كان حافزًا لاستكشاف المساحات المائية الشاسعة المحيطة بشبه القارة الهندية، إذ يتيح وصولًا سهلًا إلى المجال البحري.

يُعدّ التاريخ البحري للهند هو الأقدم بين دول العالم، إذ يستمر بشكل لا مثيل له منذ العصر الحجري الحديث [الألفية التاسعة قبل الميلاد]. ويقدم موقع Golbai Sasan، وهو موقع ينتمي للعصر الحجري الحديث يقع على الساحل الشرقي للهند في ولاية أوديشا، أدلة أثرية قيّمة تشير إلى أنشطة بناء السفن ورحلات الإبحار.

وخلال عصر السندو-ساراسواتي Sindhu-Saraswati [3300–1300 قبل الميلاد]، طورت الهند تقليدًا متقدمًا للملاحة البحرية يقوم على التجارة البحرية. ويُعد ميناء لوثال القديم في ولاية جوجارات، الذي شُيّد نحو عام 2300 قبل الميلاد، مثالًا بارزًا على البنية التحتية البحرية؛ إذ كان يضم أحواضًا للسفن، وسدوداً للمد البحري، وأرصفة للسفن. وربطت شبكات التجارة والبنية التحتية المتطورة الهند بالحضارات المعاصرة في بلاد الرافدين ومصر والصين.

وتشير الحقبة الفيدية والنصوص والأدلة الأثرية إلى بدايات أنشطة بناء القوارب لأغراض الصيد الساحلي والتجارة. ويذكر «ريج فيدا» سفينة ساتاريتارا (Sataritara) ذات المائة مجداف. وأسهم هذا التاريخ الملاحي في تطوير رسم الخرائط ودراسة الإبحار المرتبط بالرياح الموسمية، باستخدام النجوم في تحديد الاتجاهات.

وقد ترسخ هذا التراث البحري الغني خلال الإمبراطورية الماورية (324–187 قبل الميلاد)، التي أرست الطابع المؤسسي للإدارة البحرية من خلال إنشاء إدارة للممرات المائية والملاحة، ويديرها "نافادياكشا" (Navadhyaksha)، أي المشرف على السفن، والذي كان ينظم بناء السفن والتجارة البحرية وعمليات الموانئ. وقد خصص كاوتيليا، الذي يعد أعظم مفكري الهند الاستراتيجيين في العصور القديمة، فصلًا كاملًا في «الأرثاشاسترا» للشؤون البحرية، مؤكدًا أهميتها الاستراتيجية. 

وفي فترة ما بعد الإمبراطورية الماورية، تُظهر السجلات الرومانية تجارة واسعة مع موانئ جديدة في جنوب الهند. وقد تم التعرف على نحو 30 نقشًا بالخط التاميلي-البراهمي والسنسكريتية والبراكريتية داخل المقابر المنحوتة في الصخر في وادي الملوك بالأقصر في مصر، تعود إلى القرنين الأول والثالث الميلاديين. وترك التجار الهنود كتابات على الجدران كشاهد على وجودهم. كما عُثر على مجموعات من العملات الذهبية الرومانية في مواقع مختلفة بجنوب الهند.

وقد شكلت سلطنة دلهي، التي أسسها الغزاة المسلمون، قوات بحرية محدودة للحروب النهرية والعمليات الساحلية، بدلًا من القيام بحملات بحرية واسعة النطاق. كما أنشأ حكام المغول أسطولاً بحرياً يعمل بشكل أساسي لأغراض الأمن ودعم القوات العسكرية البرية، إذ كان تركيز الإمبراطورية منصبًا على التوسع داخل أراضيها.

وخلال القرن الثالث عشر الميلادي، بلغت القوة والتجارة البحريتان للهند ذروتهما في عهد إمبراطورية بالا في شرق الهند وإمبراطورية تشولا في جنوب الهند. وفي عهد أسرة تشولا [من القرن التاسع وحتى القرن الثالث عشر الميلادي]، أبحرت أساطيل كبيرة إلى سريلانكا وجزر المالديف وأجزاء من جنوب شرق آسيا، بما في ذلك موانئ إمبراطورية سريفيجايا في إندونيسيا، مما أسهم في نشر الدين والثقافة الهنديين في جنوب شرق آسيا.

وأدى قدوم الأوروبيين إلى تهميش سيطرة الهند على المجال البحري وتراجع تجارتها البحرية. وعلى الرغم من الحكم الاستعماري البريطاني، حافظت الهند على تقاليدها في بناء السفن واستمرت في تشييدها. وبحلول القرن التاسع عشر الميلادي، احتكر البريطانيون التجارة المنقولة بحرًا، وسيطروا على موانئ رئيسية مثل بومباي (مومباي) وكلكتا (كولكاتا). وأصبحت الهند مصدرًا للأيدي العاملة والمواد الخام. وتطورت قوات «البحرية الهندية الملكية» (1892) و«البحرية الهندية الملكية» (1934)، حيث تولى البحارة الهنود الخدمة على متن سفن البحرية والسفن التجارية.

وعند حصول الهند على استقلالها عام 1947، ورثت قوة بحرية متواضعة قوامها 33 سفينة و538 ضابطًا بحريًا لحماية ساحل يبلغ طوله 7,517 كيلومترًا، و1,280 جزيرة، و14,500 كيلومتر من الممرات المائية الصالحة للملاحة. ويجعل الموقع الجغرافي للهند منها دولة قريبة من ممرات الاتصال البحرية الرئيسية في المحيط الهندي. ومع محدودية قدراتها البحرية، تجنبت الهند الانخراط في النظام العالمي ثنائي القطبية وروّجت لمفهوم المحيط الهندي باعتباره منطقة للسلام. وبعد الاستقلال، أولت الهند الأولوية للدفاع عن سواحلها ودمج الولايات الأميرية.

وبسبب ما تكبدته الهند من حروب برية في أعوام 1948 و1962 و1965، اضطرت إلى تحويل مواردها إلى الجيش والقوات الجوية على حساب البحرية. وبدأت الهند تدريجيًا في إعادة بناء قطاعها البحري وصناعة بناء السفن. ومع نمو الاقتصاد الهندي، خُصصت موارد أكبر للبحرية ولتطوير الموانئ، التي تمثل عنصرًا حيويًا للتجارة البحرية والأمن القومي.

وبحلول تسعينيات القرن الماضي، كانت البحرية الهندية قد شاركت في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وعمليات إجلاء المواطنين الهنود خلال الحرب على العراق، وعمليات مكافحة القرصنة في بحر العرب. وتوسعت قدراتها البحرية في المياه الزرقاء لدعم الأمن البحري والتجارة الدولية المنقولة بحرًا، بهدف تأمين المجال البحري المشترك.

ويواجه المجال البحري حاليًا مجموعة واسعة من التحديات، من بينها تهديدات تغير المناخ، والأعاصير، وارتفاع مستوى سطح البحر، والتحديات المتعلقة بالأمن الإنساني مثل الهجرة غير القانونية والاتجار بالبشر والقرصنة والصيد غير القانوني والتلوث والتعدين في قاع البحار.

وقد أسهمت الأهمية الاستراتيجية للعامل البحري في تشكيل الاستراتيجية البحرية للهند، التي توفر الأمن لنحو 90% من تجارتها البحرية. وقد سلطت الحرب الدائرة في إيران الضوء على الجهود الرامية إلى تسليح ممرات الملاحة الدولية – ولا سيما مضيق هرمز – في انتهاك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

ويشكل الهنود ما يقرب من ثلث البحارة في قطاع الشحن العالمي. وقد فقد بعضهم حياتهم في الهجمات العشوائية على السفن العابرة لمضيقي هرمز وباب المندب. وسيتطلب توفير الأمن للملاحة الدولية الدبلوماسية والحوار، فضلًا عن وجود بحرية أكثر قوة، بما يسهم في صياغة نظام جيوسياسي أكثر تعاونًا.

وقد جرى تعزيز قدرات الهند المحلية في مجال بناء السفن. وتركز الاستراتيجية البحرية الهندية على منطقة المحيط الهندي، التي تُعد حيوية لتدفقات التجارة العالمية، إذ يمر عبرها ثلثا شحنات النفط العالمية، وثلث الشحنات السائبة، ونصف حركة الحاويات العالمية. وتطل على المنطقة 40 دولة ساحلية، ويقطنها نحو 40% من سكان العالم. وعلى الرغم من أهمية المجالات البحرية المشتركة، فإن هياكل الأمن القادرة على مراقبة هذه المساحة لا تزال محدودة. كما تخضع السفن الحربية لقيود تحد من قدرتها على التحرك ضد السفن التجارية المخالفة أو الخارجة عن القانون.

وفي عام 2015، اعتمدت الهند عقيدة SAGAR وتعني "الأمن والنمو للجميع في المنطقة". وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز دور الهند كمقدم صافٍ للأمن في منطقة المحيط الهندي، وكجهة أولى للاستجابة في مجال المساعدات الإنسانية والمساعدات المتعلقة بالكوارث. وقد انتقلت الهند من عقيدة SAGAR إلى عقيدة MAHASAGAR أي "التقدم المتبادل والشامل من أجل الأمن والنمو عبر المناطق المختلفة" التي توسع نطاق المجال البحري من النهج الإقليمي والأمني ليشمل الدبلوماسية الاقتصادية، والربط التكنولوجي، والاستدامة البيئية، والوعي بالمجال البحري.

ويهدف استراتيجية MAHASAGAR إلى دعم الربط التكنولوجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بالاعتماد على التدريبات البحرية المشتركة، وتبادل البيانات، وتشجيع التسوية السلمية للنزاعات البحرية. وتدعم هذه التوجهات السياسية مبادرة "ساجارمالا" (SAGARMALA)، التي تدعم التنمية القائمة على الموانئ لتحديث الموانئ وإنشائها، وإدارة التحول نحو شبكات نقل ساحلية ومائية أكثر كفاءة، بما يحفز النمو الصناعي وخلق فرص العمل والتنمية الساحلية المستدامة.

ولتيسير التعاون الدولي والإقليمي من أجل تأمين المجالات البحرية المشتركة، نظمت الهند «المراجعة الدولية للأسطول في عام 2016 (بمشاركة 48 أسطولاً بحرياً)، وتدريبات "ميلان" (MILAN) التي يتم تنظيمها كل عامين، والتي شارك فيها 47 بلدًا في عام 2024، بهدف بناء التعاون وتعزيز التشغيل البيني. وتتم مراقبة منطقة المحيط الهندي من خلال "مركز دمج المعلومات"، كما أسهمت العمليات البحرية في مختلف المسارح البحرية في مكافحة القرصنة، وتوفير المرور الآمن لسفن الشحن الدولية، وتنفيذ العمليات الإنسانية. وقد انضمت 28 دولة ومنظمة دولية شريكة إلى الهند في تتبع حركة الملاحة البحرية والقرصنة والأنشطة غير القانونية في منطقة المحيط الهندي.

ويعزز هذا التحول الاستراتيجي الأمن البحري، مستفيدًا من الانتشار المتزايد للبحرية الهندية في المياه الزرقاء. وتُجرى بصورة دورية تدريبات مشتركة مع مختلف القوات البحرية لتعزيز الأمن البحري، مثل تدريبات «مالابار» السنوية بمشاركة دول مجموعة «كواد» وهي أستراليا واليابان والولايات المتحدة. وقد اضطلعت البحرية الهندية بدور رائد في الدبلوماسية البحرية من خلال بناء القدرات، والتدريبات المشتركة، والمؤتمرات متعددة الأطراف، وأنشطة المساعدة الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث، وعمليات البحث والإنقاذ في حالات تسونامي والزلازل.

ويتزايد التنافس بين القوى الكبرى في منطقة المحيط الهندي، مما يتطلب قدرًا أكبر من اليقظة بشأن الأمن البحري. ولتجنب الصراع، دعت الهند إلى أن يكون "المحيط هندي حر ومفتوح وآمن" ويكون ذلك هو الهدف المشترك لتأمين المجالات البحرية المشتركة، على النحو الذي تسعى إليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وفي الوقت الراهن، وعلى الرغم من الضربات العسكرية، لا تزال الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز متوقفة. وقد وظفت إيران موقعها الجغرافي كسلاح لتعطيل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، مما أبقى أسواق الطاقة العالمية تحت ضغط مستمر وأطال أمد الصدمة الاقتصادية العالمية. وبعد الحرب مع إيران، ستتحول موازين القوى العالمية بصورة حاسمة نحو المجال البحري؛ فالعالم المترابط يعتمد على طرق الملاحة البحرية، وممرات الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، والأنظمة المالية. كما ستسعى الدول الآن إلى السيطرة على المراكز الرقمية، ومحطات إنزال الكابلات، ومسارات الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، وشبكات الأقمار الصناعية.

لقد طال انتظار الخطة الشاملة للهند لتعزيز قطاعها البحري. فالساحل الهندي الشاسع وموقعها الاستراتيجي في منطقة المحيط الهندي يخلقان مواطن ضعف ويعرضان البلاد لتهديدات الأمن البحري. وتمثل الإصلاحات البحرية الهندية وجهود التطوير خطوة محورية نحو تحقيق "رؤية الهند البحرية 2030"، والمواءمة مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة بشأن الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، والهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة.

وكلفت الهند قواتها البحرية، في إطار "عملية سانكالب" Operation Sankalp بتوفير الحماية لسفن الشحن، وإجراء المراقبة البحرية عبر بحر العرب وخليج عدن، وحماية خطوط الاتصال البحرية الحيوية للاقتصاد الهندي وأمن الطاقة. وسيتعين على الهند اتخاذ إجراءات مستقلة، وتنسيق الإجراءات من أجل تأمين خطوط الاتصال البحرية كلما أمكن. وتركز «عملية سانكالب» على حماية السفن الهندية، والحفاظ على حرية الملاحة لخطوط الإمداد الهندية، وتجنب أي انخراط إقليمي. وتحول سياسة الهند القائمة على الاستقلالية الاستراتيجية دون انضمامها إلى أي تحالفات رسمية، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع الدول فرادى في منطقة الصراع.

ولتعزيز قدرتها على تأمين المجالات البحرية المشتركة، تعمل الهند على معالجة أوجه القصور في البنية التحتية، وتحديات الاستدامة، وأوجه عدم المساواة في القوى العاملة، وبناء بحرية حقيقية قادرة على العمل في المياه الزرقاء، مع بناء قدرات الردع النووي. وتهدف الهند إلى أن تصبح مركزًا بحريًا عالميًا وقوة بحرية رائدة خلال العقدين أو العقود الثلاثة المقبلة، بما يمكّنها من الاضطلاع بدور بارز في ضمان أمن المجالات البحرية المشتركة.

****

[المؤلف دبلوماسي متقاعد شغل سابقاً منصب وكيل وزارة في وزارة الشؤون الخارجية، كما شغل منصب المفوض السامي للهند لدى بنغلاديش وسفير الهند لدى تايلاند.]