الهند تعزز ريادتها في الطاقة النظيفة وتراهن على الهيدروجين الأخضر لقيادة اقتصاد المستقبل

أغسطس 13, 2026 - 16:24
الهند تعزز ريادتها في الطاقة النظيفة وتراهن على الهيدروجين الأخضر لقيادة اقتصاد المستقبل

تواصل الهند تعزيز موقعها كإحدى الدول الأكثر تقدمًا في مجال الطاقة النظيفة، مدفوعة باستراتيجية تجمع بين التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وتأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة، إلى جانب الاستثمار في الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد أهم مسارات التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.

وبحلول نهاية ديسمبر 2025، تجاوزت مصادر الطاقة غير الأحفورية نصف إجمالي القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في الهند، بعدما بلغت نسبتها 51.93%، متجاوزة بذلك مستهدف الـ50% الوارد في المساهمة المحددة وطنيًا الثانية للهند. ووفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة لعام 2025، تحتل الهند المرتبة الرابعة عالميًا من حيث القدرة على توليد الطاقة المتجددة.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن الاحتياجات التنموية للهند، التي لم تبلغ بعد ذروة الطلب على الطاقة، بينما تظل إتاحة الطاقة بأسعار مناسبة، وضمان أمن الإمدادات، من العناصر الأساسية لاستمرار النمو الاقتصادي. ولهذا تتبنى نيودلهي استراتيجية متعددة المسارات تشمل الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، والطاقة النووية، والهيدروجين الأخضر، ومصارف الكربون وأسواقه، بالتوازي مع دعم الصناعة وخلق فرص العمل.

ويبرز الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد المكونات الرئيسية في هذه الاستراتيجية، خصوصًا في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها من خلال الاعتماد المباشر على الكهرباء وحدها. إذ يمكن استخدامه بديلًا للوقود الأحفوري في صناعات مثل تكرير النفط، وإنتاج الأسمدة، وصناعة الصلب، فضلًا عن تطبيقاته المحتملة في قطاعات النقل، بما في ذلك السيارات والقطارات والسفن.

وفي هذا السياق، أظهرت السكك الحديدية الهندية تقدمًا في اختبار وتشغيل قطارات تعتمد على الهيدروجين، بما يعكس توجه البلاد إلى توسيع نطاق استخدام الوقود النظيف خارج قطاع الكهرباء.

ويمثل المشروع الوطني للهيدروجين الأخضر الإطار الرئيسي الذي تعتمد عليه الهند لتطوير هذا القطاع، من خلال الربط بين أهداف تحول الطاقة والسياسة الصناعية وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والتكنولوجيا الهندية.

ويستهدف المشروع إنتاج خمسة ملايين طن متري من الهيدروجين الأخضر سنويًا بحلول عام 2030. ووفق البيانات الواردة في الدراسة، جرى تخصيص طاقة إنتاجية تبلغ 862 ألف طن سنويًا لـ18 شركة، فيما حصلت 15 شركة على تخصيصات لإنتاج أجهزة التحليل الكهربائي بطاقة إجمالية تصل إلى ثلاثة آلاف ميجاوات.

كما حددت الهند ثلاثة مراكز للهيدروجين الأخضر في موانئ ديندايال بولاية جوجارات، وتشيدامبارانار بولاية تاميل نادو، وباراديب بولاية أوديشا، في خطوة تعكس أهمية البنية التحتية والموانئ في بناء منظومة متكاملة للإنتاج والتصدير.

وتتحرك الهند كذلك نحو ربط إنتاج الهيدروجين الأخضر باحتياجات صناعية محددة، بدلًا من التعامل معه باعتباره مشروعًا مستقبليًا منفصلًا عن الاقتصاد الحقيقي. ففي قطاع الأسمدة، تشير البيانات إلى وجود قدرة إجمالية على شراء 7.24 مليون طن متري سنويًا من الأمونيا الخضراء بسعر 55.75 روبية هندية للكيلوجرام.

كما يجري توظيف الهيدروجين الأخضر في قطاع تكرير النفط بهدف خفض البصمة الكربونية، بينما تعمل خمسة مشروعات تجريبية في صناعة الصلب، ينفذها منتجون من القطاعين العام والخاص، على اختبار استخدام الهيدروجين الأخضر في اختزال الحديد وتطبيقات صناعية أخرى تتناسب مع ظروف السوق والصناعة الهندية.

ولا تقتصر الرؤية الهندية على السوق المحلية، إذ يحمل مشروع الهيدروجين الأخضر بعدًا دوليًا واضحًا، في ظل سعي نيودلهي إلى الاستفادة من آليات التعاون الطوعي المنصوص عليها في المادة السادسة من اتفاق باريس للمناخ.

وتدرك الهند أن الهيدروجين الأخضر مرشح لأن يصبح أحد مكونات تجارة الطاقة النظيفة مستقبلًا، ولذلك تسعى إلى بناء موقع مبكر داخل الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالاقتصاد منخفض الكربون، بحيث لا تقتصر جهودها على خفض الانبعاثات محليًا، وإنما تمتد إلى تعزيز قدرتها على المنافسة في سوق الطاقة العالمية الجديدة.

وفي إطار هذا التوجه، عززت الهند حضورها في المنصات والشراكات الدولية المعنية بالهيدروجين، وانضمت إلى مجتمع الهيدروجين الدولي خلال قمة الهيدروجين العالمية في روتردام عام 2024، حيث أقامت أول جناح هندي لها.

كما يتوسع التعاون بين الهند والاتحاد الأوروبي من خلال مجلس التجارة والتكنولوجيا، مع طرح أكثر من 30 مقترحًا مشتركًا يتعلق بإنتاج الهيدروجين من النفايات. وتتعاون نيودلهي كذلك مع المملكة المتحدة في مجال وضع معايير الهيدروجين، بينما يجري التعاون مع ألمانيا لتطوير آليات قائمة على السوق وتصميمات لمناقصات مشتركة للتصدير.

وفي الوقت نفسه، أبرمت شركات هندية اتفاقيات طويلة الأجل لشراء الإنتاج مع شركات يابانية، في مجالات تشمل الأمونيا الخضراء والميثانول الأخضر، بما يعكس تنامي البعد التجاري والاستثماري لهذا القطاع.

وتأتي هذه التحركات امتدادًا لدور الهند في الترويج للطاقة الشمسية في دول الجنوب العالمي، حيث لم تكتفِ بالدعوة إلى التوسع في الطاقة النظيفة، وإنما سعت إلى تقديم نماذج عملية من خلال سياساتها ومشروعاتها المحلية.

ومن هذا المنظور، فإن تجربة الهند في الهيدروجين الأخضر تتجاوز حدود التحول في مزيج الطاقة، لتصبح جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تشكيل موقع البلاد داخل الاقتصاد العالمي منخفض الكربون. فالهيدروجين بالنسبة إلى نيودلهي ليس مجرد مصدر جديد للطاقة، وإنما فرصة صناعية وتكنولوجية وتصديرية يمكن أن تدعم النمو وتفتح أسواقًا جديدة وتعيد رسم خريطة سلاسل الإمداد العالمية.

وتشير التجربة الهندية إلى أن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يرتبط فقط بزيادة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، وإنما يحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والتمويل، والتجارة الدولية، والكوادر البشرية.

وإذا نجحت الهند في تحقيق مستهدفاتها الخاصة بالهيدروجين الأخضر، فإنها قد لا تكون مجرد واحدة من أكبر أسواق الطاقة النظيفة في العالم، بل لاعبًا مؤثرًا في صياغة قواعد الاقتصاد الأخضر خلال العقود المقبلة، بما يعزز حضورها في الجنوب العالمي ويفتح أمامها مجالًا جديدًا للمنافسة الصناعية والتجارية الدولية.

عن الكاتبين:

إيشيتا سريفاستافا باحثة مشاركة، والسفير مانجيف سينج بوري دبلوماسي هندي سابق، شغل منصب سفير الهند لدى الاتحاد الأوروبي ونيبال وبلجيكا ولوكسمبورج، كما شغل منصب سفير ونائب ممثل الهند الدائم لدى الأمم المتحدة.