الذهب يترنح بين ضغوط الأسواق ورسائل الفيدرالي.. لكن "الحصان الأصفر" لا يزال في السباق
في ظل حالة الترقب التي تسيطر على الأسواق العالمية، تتزايد التحليلات التي تتحدث عن احتمالات تراجع أسعار الذهب وكسر مستويات 4000 دولار للأونصة، مع توقعات بهبوطه إلى مستويات أقل، إلا أن قراءة أكثر عمقًا لحركة الأسواق تكشف أن ما يجري قد يكون مجرد مرحلة إعادة تموضع مؤقتة، في ظل صراع معقد بين قوة الدولار الأمريكي، وسياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والعوامل الأساسية الداعمة للمعدن النفيس.
وتشير العديد من التقارير الاقتصادية إلى تأثير ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وترقب بيانات التضخم ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، إلى جانب إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة، فيما تتحدث تقارير أخرى عن تحول في نهج الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، من سياسة التوجيه المسبق للأسواق إلى الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الاقتصادية الفعلية قبل اتخاذ أي قرارات مستقبلية.
وفي هذا السياق، يرى البرفسور المهني الممارس الدكتور هاني فايز يوسف حمد، الخبير الدولي في أسواق الذهب والمعادن الثمينة، أن التطورات الراهنة لا تعكس نهاية الاتجاه الصاعد للذهب، وإنما تمثل مرحلة اختبار مؤقتة لقوة المعدن النفيس وقدرته على الحفاظ على مكانته الاستثمارية.
وقال الدكتور هاني فايز يوسف حمد: "الذهب لا يتحرك اليوم بفعل الفيدرالي وحده، ولا بفعل الدولار وحده، ولا حتى بفعل الإشاعات السياسية، بل يتحرك داخل معادلة عالمية معقدة تضم التضخم، والديون السيادية، والمخاطر الجيوسياسية، وطلب البنوك المركزية. لذلك أراهن على قوة الحصان الأصفر، والأيام ستثبت صحة هذا الرهان".
وأضاف أن أبرز ما حملته التقارير الأخيرة ليس الحديث عن احتمالات الهبوط، بل إقرار الأسواق نفسها بأن المرحلة المقبلة ستُحسم وفقًا للبيانات الاقتصادية الحقيقية، وليس بناءً على التوقعات أو التفسيرات الإعلامية.
وأوضح أن الأسواق تتابع حاليًا معادلة قصيرة الأجل تتمثل في:
بيانات التضخم ← عوائد السندات ← الدولار الأمريكي ← الذهب
إلا أن هذه المعادلة، بحسب رؤيته، تقابلها معادلة استراتيجية أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، وهي:
المخاطر الجيوسياسية + مشتريات البنوك المركزية + الديون العالمية + الطلب الاستثماري = دعم مستدام للذهب.
وأشار إلى أن التحليلات الفنية الحالية تضع مناطق الدعم الرئيسية للذهب بين 4100 و4125 دولارًا للأونصة، بينما تقع مستويات المقاومة بين 4175 و4225 دولارًا، وهو ما يعكس استمرار السوق في مرحلة إعادة التسعير والتصحيح الفني الطبيعي، وليس الدخول في مرحلة انهيار كما يروج البعض.
ولفت الدكتور هاني فايز يوسف حمد إلى أن التصريحات الأخيرة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي حملت رسالة مختلفة، مفادها أن البنك المركزي الأمريكي لم يعد يقدم تعهدات مسبقة للأسواق، وإنما ينتظر ما ستكشف عنه البيانات الاقتصادية القادمة، ما يجعل الحكم النهائي على اتجاه الأسواق مؤجلًا لحين صدور مؤشرات التضخم والنمو.
وأضاف: "كلما ارتفع صوت المشككين في الذهب، أتذكر أن هذا المعدن واجه أزمات مالية عالمية، وحروبًا كبرى، وانهيارات مصرفية، وتقلبات سياسية حادة، ومع ذلك حافظ على مكانته كملاذ آمن للثروة. الحصان الأصفر قد يتباطأ أحيانًا، لكنه لا يخرج من السباق".
وأكد أن استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب، وارتفاع مستويات الدين العالمي، واستمرار التوترات الجيوسياسية، تمثل جميعها عوامل دعم هيكلية طويلة الأجل للمعدن النفيس، رغم الضغوط المؤقتة الناتجة عن ارتفاع الدولار وعوائد السندات.
وفي المحصلة، تبدو الأسواق اليوم أمام معركة تتجاوز مجرد المنافسة بين الذهب والدولار، لتصبح مواجهة بين الحقائق والتوقعات، وبين الرؤى قصيرة الأجل والاستراتيجيات الاستثمارية بعيدة المدى.
ورغم الضغوط الحالية، فإن المؤشرات الأساسية الداعمة للذهب ما زالت قائمة، سواء من حيث الطلب العالمي أو مشتريات البنوك المركزية أو استمرار المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، ما يدفع كثيرًا من المحللين إلى الاعتقاد بأن المعدن الأصفر لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
فقد يترنح "الحصان الأصفر" تحت وطأة التقلبات المؤقتة، لكنه لم يسقط، وقد يتراجع لبعض الوقت، لكنه لا يزال يحتفظ بفرص العودة، وربما يكون ما يراه البعض بداية النهاية، مجرد محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصعود.