"أنين صيدنايا".. رواية جديدة للدكتور نور الحراكي توثق وجع الإنسان السوري بين السجن والذاكرة والمقاومة
شهدت الساحة الثقافية العربية صدور رواية جديدة بعنوان "أنين صيدنايا" للكاتب والروائي الدكتور نور الحراكي، رئيس المنتدى العربي العالمي للثقافة والفنون، والصادرة عن دار مفرد للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية، لتضيف صوتًا أدبيًا جديدًا إلى أدب السجون والمقاومة الإنسانية، عبر عمل يجمع بين التوثيق التاريخي والرؤية الإنسانية العميقة.
تقع الرواية في نحو 110 صفحات من القطع المتوسط، وتقدم معالجة أدبية وسيكولوجية للمعاناة التي عاشها المعتقلون داخل سجن صيدنايا العسكري، أحد أكثر السجون إثارة للجدل في الذاكرة السورية المعاصرة. وينطلق الدكتور نور الحراكي في عمله من الواقع السوري، مستندًا إلى شهادات وتجارب إنسانية مؤلمة عاشها معتقلون سابقون، ليكشف المسافة الفاصلة بين الضحية والجلاد، وبين القهر والمقاومة.
وتأخذ الرواية القارئ في رحلة تتجاوز حدود التوثيق التقليدي، حيث تنتقل أحداثها إلى جيل جديد يحمل وعيًا مختلفًا ورغبة أكثر إصرارًا في مواجهة الحقيقة. وتتمثل هذه الرحلة في شخصية "شريفة"، ابنة إحدى ضحايا المعتقل، التي تكبر حاملة إرث الألم، وتدرس الفلسفة في جامعة السوربون، مسلحة بما تصفه الرواية بـ"الغضب البارد والمنظم"، سعيًا لفهم آليات القمع والطغيان.
وقبيل اندلاع الثورة السورية في عام 2011 بشهر واحد، تعود شريفة إلى دمشق بحثًا عن الحقيقة، لكن القدر يقودها إلى المصير ذاته الذي واجهته والدتها، إذ تجد نفسها معتقلة داخل سجن صيدنايا، لتبدأ واحدة من أكثر محطات الرواية إثارة وتأثيرًا.
وتبلغ الرواية ذروتها الدرامية في المواجهة بين شريفة والعميد "علي جويد"، الذي يكتشف، من خلال تحليل الحمض النووي (DNA)، أن المعتقلة التي أمامه ليست سوى ابنته، وأنها الشاهد الحي على جرائم الماضي. غير أن شريفة لا تستسلم، بل تتحول إلى رمز للمقاومة والعدالة من داخل السجن، حيث تعمل على جمع وتمرير معلومات بالغة الحساسية لدعم الحراك الشعبي، في تأكيد على أن الذاكرة قد تكون سلاحًا أكثر تأثيرًا من الرصاص.
وأكد الدكتور نور الحراكي أن رواية "أنين صيدنايا" ليست مجرد عمل أدبي، بل تمثل وثيقة إنسانية وتاريخية توثق معاناة جيل كامل عاش تحت وطأة الاعتقال والقهر، مشيرًا إلى أنه سعى من خلال هذا العمل إلى الحفاظ على أصوات الضحايا حية في الذاكرة الإنسانية، حتى تبقى شاهدة على مرحلة مؤلمة من التاريخ، ورسالة أمل للحرية والكرامة.
وأضاف أن مجرد ذكر اسم سجن صيدنايا خلال سنوات النظام السوري السابق كان كافيًا لإثارة مشاعر الخوف والرعب، موضحًا أن الرواية تستند إلى وقائع وتجارب إنسانية حقيقية تعكس حجم الألم الذي عاشه كثير من أبناء الشعب السوري.
وتميزت الرواية بأسلوبها السردي العميق، الذي لم يكتفِ بوصف الأحداث، بل غاص في أعماق النفس البشرية، مستكشفًا تأثير الخوف والاعتقال والتعذيب على الإنسان، وهو ما جعلها تحظى باهتمام ملحوظ من النقاد والقراء المهتمين بالأدب الإنساني والسياسي في العالم العربي.
وأشار عدد من النقاد والمتابعين إلى أن "أنين صيدنايا" تتجاوز مفهوم أدب السجون التقليدي، الذي يركز على توثيق المعاناة فقط، لتنتقل إلى فضاء أوسع يتمثل في المقاومة والتمكين واستعادة الحق. وتجسد العبارة الختامية التي تقولها البطلة: "أمي خرجت من هنا مكسورة.. وأنا دخلت لأخرج الحقيقة"، الفلسفة الكاملة للرواية، التي تحول أنين الضحايا إلى صوت لوطن بأكمله يبحث عن فجر جديد.
ويعد الدكتور نور الحراكي من أبرز الكتاب العرب الذين تناولوا القضايا الإنسانية والسياسية الشائكة في العالم العربي، وقدم العديد من الأعمال الأدبية التي أثارت اهتمامًا واسعًا في الأوساط الثقافية، من بينها رواية "الواهمون"، ورواية "أميرات ولكن"، والمجموعة القصصية "خبايا العرب"، بالإضافة إلى عمله "نعم.. أنا توأم الشعلة"، وغيرها من الأعمال التي تميزت بجرأتها وواقعيتها وأسلوبها السهل الممتنع.
ومن خلال "أنين صيدنايا"، يواصل نور الحراكي مشروعه الأدبي القائم على تحويل الألم الإنساني إلى شهادة أدبية، والذاكرة إلى وثيقة، والكتابة إلى فعل مقاومة لا يسقط بالتقادم.