من أسواق الرقيق إلى عرش النبل في مصر.. «إقبال هانم» رواية تاريخية جديدة للدكتور نور الحراكي
أطلقت دار «مفرد للترجمة والنشر» الطبعة الأولى من الرواية التاريخية «إقبال هانم» للكاتب والمؤرخ الدكتور نور الحراكي، في عمل أدبي يستند إلى سيرة عائلية حقيقية، ويرصد رحلة إنسانية شديدة التعقيد لامرأة شركسية اقتُلعت من موطنها في جبال القوقاز، قبل أن تبدأ في مصر حياة جديدة صنعت خلالها مكانتها وأسرتها وامتدادها في المجتمع المصري.
تنطلق أحداث الرواية من جبال القوقاز، وتحديدًا من منطقة قبردينو-بلقاريا، حيث وُلدت الطفلة المسيحية «ألكسندرا قبرطاي» لأب ضابط في القوات المحلية وأم تنتمي إلى أسرة شركسية عريقة. غير أن طفولتها الهادئة لم تستمر طويلًا، بعدما وقعت ضحية لعصابات تجارة الرقيق، ليبدأ فصل قاسٍ من حياتها، اقتيدت خلاله بعيدًا عن موطنها عبر البحر الأسود وصولًا إلى إسطنبول.
وفي العاصمة العثمانية، تدخل «ألكسندرا» عالم القصور، حيث تخضع لإعداد صارم وتتلقى تعليمًا خاصًا في آداب البلاط، وتتقن اللغة التركية العثمانية والخط العربي. ومع مرور الوقت، يلفت ذكاؤها وجمالها الأنظار، وتحصل على لقب «الشركسية البيضاء»، قبل أن تعتنق الإسلام وتبدأ حياة جديدة باسم «إقبال».
وتتغير مسارات حياتها مع زيارة الخديوي إسماعيل إلى إسطنبول، حيث يقرر السلطان العثماني تكريمه بإعتاق فتاتين من تلميذات القصر، هما «إقبال» وصديقتها المقربة «حسن جول». ومن هنا تبدأ رحلة جديدة إلى مصر، حيث تنتقل الفتاتان إلى القاهرة وتستقران في قصر الخديوي، وتصبحان من سيدات الحرملك المعروفات بالأدب والالتزام بقواعد وبروتوكولات القصور.
ومع عزل الخديوي إسماعيل عام 1879 وتولي الخديوي توفيق الحكم، تشهد حياة إقبال تحولًا جديدًا، بعدما صدرت قرارات بإعتاق عدد من الجواري والمحظيات في الحرملك، لتحصل إقبال وصديقتها على حريتهما بصورة كاملة.
غير أن الحرية لم تكن نهاية الحكاية، بل كانت بداية فصل أكثر أهمية في حياة البطلة؛ إذ يتقدم لخطبتها علي بك أحمد إبراهيم، قاضي المحكمة الأهلية بأسيوط، المعروف بالنزاهة والعدل، لتخرج إقبال من عالم القصور المغلق إلى حياة اجتماعية جديدة، وتصبح زوجة وأمًا لأسرة ارتبطت لاحقًا بجزء من تاريخ مصر الحديث.
ولا تقدم «إقبال هانم» مجرد سيرة امرأة عاشت في القرن التاسع عشر، وإنما تحاول إعادة قراءة مرحلة تاريخية من خلال مصير إنسانة وجدت نفسها في قلب تحولات سياسية واجتماعية كبرى، وانتقلت من القوقاز إلى إسطنبول ثم إلى مصر، لتتحول رحلة الاقتلاع إلى قصة استقرار وانتماء وتكوين أسرة.
ويؤكد الدكتور نور الحراكي في مقدمة الرواية أن العمل لا يستهدف تقديم معالجة أكاديمية جافة للتاريخ، وإنما يمزج بين الوثائق العائلية المتوارثة والخيال الروائي، بهدف الحفاظ على جانب من الذاكرة الإنسانية للشراكسة في مصر، وإعادة تقديمه للقارئ في قالب أدبي يجمع بين التوثيق والسرد.
ويقول الحراكي: «لم أكتب هذه الرواية لمجرد حكاية امرأة عاشت في القرن التاسع عشر، بل لأعيد إليها صوتها.. فالتاريخ لا يصنعه الملوك وحدهم، بل تصنعه أيضًا امرأة مجهولة قاومت الألم وربحت الحياة».
وتضع الرواية «إقبال هانم» القارئ أمام سؤال يتجاوز تفاصيل الحكاية نفسها: كيف يمكن لإنسانة اقتُلعت من وطنها في طفولتها أن تعيد بناء حياتها في وطن آخر، وأن تتحول من ضحية لظروف قاسية إلى امرأة تصنع لنفسها مكانًا وأسرة وذاكرة؟
ومن خلال هذه الرحلة، يراهن الدكتور نور الحراكي على أن الرواية التاريخية يمكن أن تكون وسيلة لاستعادة أصوات الأشخاص الذين لا تظهر أسماؤهم عادة في كتب التاريخ، لكنها تظل حاضرة في تفاصيل المجتمعات والأسر والذاكرة الشعبية، لأن التاريخ، في جانب كبير منه، لا يُكتب فقط في القصور والوثائق الرسمية، وإنما يعيش أيضًا في حكايات البشر.