مصطفى صلاح يكتب: الأغنية الشعبية بين الأصالة والانحدار.. لماذا انتهت بعد أحمد عدوية وفاطمة عيد؟

Feb 25, 2025 - 06:23
Feb 25, 2025 - 06:24
مصطفى صلاح يكتب: الأغنية الشعبية بين الأصالة والانحدار.. لماذا انتهت بعد أحمد عدوية وفاطمة عيد؟

لطالما كانت الأغنية الشعبية المصرية مرآة تعكس نبض الشارع وتعبر عن وجدان الناس ببساطتها وعمقها في آنٍ واحد. كانت تعبيرًا صادقًا عن الحياة اليومية، تحمل في كلماتها وألحانها روحًا مصرية خالصة، لا تحتاج إلى زخرفة أو تكلف. لكن تلك الهوية القوية التي صنعتها أجيال من المبدعين بدأت في الانهيار بعد أن غابت الأصوات الحقيقية مثل أحمد عدوية وفاطمة عيد، ليحل محلها لون باهت فاقد للمعنى، مجرد من أي هوية فنية، لا يعكس سوى فوضى العصر الحالي. فهل انتهت الأغنية الشعبية فعليًا؟ ولماذا لم يظهر من يستطيع استكمال المسيرة بعد عدوية وفاطمة عيد؟

عندما نتحدث عن الأصالة في الأغنية الشعبية، فلا يمكن تجاهل أحمد عدوية، الذي لم يكن مجرد مطرب شعبي، بل كان ظاهرة فنية متكاملة أعادت تعريف الأغنية الشعبية بشكل غير مسبوق. لم يعتمد عدوية على مجرد الأداء، بل كان صاحب مدرسة خاصة دمجت بين الإيقاع الشرقي، والإحساس الشعبي الصادق، والنقد الاجتماعي المغلف بالسخرية الذكية. في أغانيه مثل السح الدح امبو وزحمة يا دنيا زحمة، كان يعبر عن حال المصريين بأسلوب سلس لكن عميق، يجمع بين الفكاهة والمرارة، بين البهجة والمعاناة، ليصل إلى قلوب الجميع، من البسطاء إلى النخبة.

أما فاطمة عيد، فكانت الصوت النسائي الأصيل الذي حمل على عاتقه تراث الفلاح المصري، وصوّر في أغانيه بساطة الريف وطقوسه الجميلة. بأغانيها مثل يا حلاوة الدنيا والليلة الكبيرة، استطاعت أن تنقل روح الحياة الريفية بصدق شديد، دون أي تكلف أو زيف. لم تكن مجرد مغنية، بل كانت مؤرخة لمجتمع كامل، تسجل أفراحه وأحزانه في أغانٍ صارت جزءًا من الذاكرة الشعبية.

بغياب عدوية عن الساحة بعد أزمته الصحية، وانحسار ظهور فاطمة عيد، بدأ التحول التدريجي في شكل الأغنية الشعبية. لم يكن التغيير تطورًا طبيعيًا، بل كان انحرافًا أفقد الأغنية هويتها الحقيقية. لم تعد هناك كلمات تعبر عن حال الناس بذكاء وصدق، بل أصبحت الأغاني مجرد تجميع عشوائي لعبارات سطحية، تخلو من أي معنى أو إحساس.

الكارثة الأكبر لم تكن فقط في تراجع الكلمات، بل أيضًا في اللحن والتوزيع الموسيقي. بعد أن كانت الأغنية الشعبية تعتمد على التخت الشرقي والإيقاعات المصرية الأصيلة، أصبحت مجرد ضوضاء إلكترونية، تعتمد على المؤثرات الصوتية أكثر من الإحساس. لم يعد هناك ذلك التناغم بين اللحن والكلمة، بل صارت الأغاني تُنتَج كمنتج استهلاكي سريع الفساد، لا يعيش أكثر من بضعة أسابيع ثم يُنسى.

لم تعد الأغنية الشعبية تحمل أي ملامح واضحة لهويتها. لقد فقدت الروح التي كانت تجعلها قريبة من الناس، وتحولت إلى مجرد صخب لا يعبر عن أي شيء سوى الفوضى. حتى عندما يحاول بعض المطربين تقديم أغاني "شعبية"، نجد أنهم يكررون نفس الكلمات المستهلكة واللحن المبتذل، دون أي محاولة لإبداع شيء جديد أو تقديم فكرة ذات قيمة.

لقد تحولت الأغنية الشعبية إلى مجرد وسيلة للضجيج، ولم تعد تحمل أي رسالة أو مضمون. لم يعد هناك ذلك الحس الشعبي الذي يجعل المستمع يشعر بأن الأغنية تتحدث عنه أو تعبر عن واقعه، بل أصبح الأمر مجرد استعراض بلا هدف.

عندما نستمع إلى أغنية قديمة لأحمد عدوية أو فاطمة عيد، نشعر بصدق الكلمة، وقوة اللحن، وأصالة الأداء. كانت الأغاني تصنع بإحساس حقيقي، وكانت تعبر عن الواقع بأسلوب فني راقٍ، حتى وإن كان شعبيًا. أما اليوم، فلا نجد في الأغاني الشعبية أي عنصر من هذه العناصر.

الجيل الجديد من المغنين لم يحاول الحفاظ على التراث الشعبي، بل اختار الطريق الأسهل: أغاني بلا معنى، كلمات ركيكة، ولحن مكرر، معتمدين على الإيقاع الإلكتروني لجذب الانتباه. لم يعد هناك اهتمام بتطوير الكلمة أو البحث عن لحن يعكس الهوية الشعبية، بل أصبح الهدف الوحيد هو تقديم "منتج موسيقي" يمكن تسويقه بسرعة.

رغم الوضع المتدهور، لا يزال هناك أمل في عودة الأغنية الشعبية إلى مجدها القديم، لكن ذلك يتطلب جهدًا حقيقيًا من المطربين والمؤلفين والملحنين لاستعادة الروح التي جعلت الأغنية الشعبية جزءًا من وجدان المصريين. يجب أن يكون هناك وعي بأن الفن الشعبي ليس مجرد موسيقى للترفيه، بل هو تعبير عن هوية وثقافة كاملة، ويجب أن يعود إلى أصالته بدلاً من الانجراف وراء الموجات التجارية السطحية.

الأمر لا يتعلق فقط بالمطربين، بل بالجمهور أيضًا. إذا استمر الجمهور في تقبل هذا المستوى المتدني من الأغاني، فلن يكون هناك دافع للتطوير أو التحسين. لكن إذا بدأ الناس في المطالبة بأغانٍ ذات قيمة، فقد يكون ذلك دافعًا لظهور جيل جديد يعيد للأغنية الشعبية رونقها المفقود.

يمكننا أن نقول بكل ثقة إن الأغنية الشعبية، كما عرفناها مع أحمد عدوية وفاطمة عيد، لم تعد موجودة اليوم. ما نسمعه الآن ليس له أي علاقة بالأغنية الشعبية الحقيقية، بل هو مجرد نسخة مشوهة بلا هوية، بلا إحساس، وبلا أي قيمة فنية.

قد يكون من الممكن أن تعود الأغنية الشعبية إلى سابق عهدها، لكن ذلك يحتاج إلى وعي وإرادة حقيقية من صناع الموسيقى والجمهور معًا. حتى يحدث ذلك، سيظل صوت أحمد عدوية وفاطمة عيد هو الذكرى الأخيرة للأغنية الشعبية الحقيقية، قبل أن تذوب في زحام الأصوات المشوشة التي لا تحمل أي روح.