مصطفى صلاح يكتب: سارة مطر والبحث عن الإنسان خلف الحكاية
في المسافة الفاصلة بين التجربة واللغة، حيث لا يعود الحدّ بين الواقع والكتابة واضحاً، تتشكل بعض الأقلام التي لا تكتفي بأن تحكي، بل تنصت إلى ما وراء الحكاية، إلى ذلك الوجع الصامت الذي لا يظهر في السطر الأول، لكنه يسكن بين الكلمات كما يسكن الضوء في شقوق الجدار القديم. هناك، تحديداً، يمكن أن تُقرأ تجربة سارة مطر، لا بوصفها مساراً أدبياً عادياً، بل بوصفها محاولة دؤوبة لفتح أبواب الإنسان على نفسه، ولو كان الثمن ارتباك المعنى أو اشتعال الجدل.
الكتابة عندها ليست زينة تُضاف إلى الحياة، ولا قناعاً يُجمّل قسوتها، بل هي اقتراب شديد من العصب المكشوف في التجربة الإنسانية. كأن النص لا يُكتب ليُقرأ فقط، بل ليُختبر، ليُسائل القارئ كما يسائل الكاتب نفسه، وليضع الاثنين أمام مرآة لا تعكس الملامح كما هي، بل كما تهتز في الداخل حين تُستفز الذاكرة.
ثمة نوع من الصدق القاسي الذي يسكن هذا اللون من الكتابة؛ صدق لا يهادن، ولا يحاول أن يرضي أحداً، لأنه صادر عن تجربة ترى أن الحكاية إذا فقدت حرارتها فقدت معناها، وأن اللغة إذا تخلّت عن توترها الداخلي تحولت إلى جثة جميلة. لذلك تأتي الجمل محمّلة بما يشبه أنفاساً متقطعة، كأنها خرجت من صدرٍ امتلأ أكثر مما ينبغي، ولم يعد يحتمل الصمت.
في هذا السياق، تبدو النصوص وكأنها لا تُصاغ من الخارج، بل تُستخرج من الداخل استخراجاً شاقاً، كما يُستخرج الماء من بئر عميقة لا تنفد. كل جملة تحمل أثراً، وكل فقرة تترك وراءها سؤالاً صغيراً يتخفى في قلب القارئ، ويظل يتحرك هناك حتى بعد انتهاء القراءة.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لا تقف عند حدود السرد التقليدي، بل تميل إلى كسر تلك الحدود دون إعلان، كأنها لا تعترف أصلاً بوجودها. فالواقعة تتحول إلى حالة، والشخصية تتحول إلى سؤال، والزمن لا يعود خطاً مستقيماً، بل يصبح طبقات تتداخل فيها الذاكرة مع اللحظة، والوجع مع الفهم المتأخر للأشياء.
حين تُكتب التجربة بهذا الشكل، يصبح الجدل جزءاً طبيعياً منها، لا لأنها تبحث عنه، بل لأنها تقترب من مناطق لا يمكن المرور بها دون أن تُحدث اهتزازاً. فكل كتابة تلامس الإنسان في هشاشته، وفي تناقضه، وفي انقسامه الداخلي، لا بد أن تثير ردود فعل متباينة، بين من يرى فيها كشفاً ضرورياً، ومن يراها استفزازاً للسكوت المعتاد.
لكن ما يغيب أحياناً عن هذا الجدل، أن النص في جوهره ليس حكماً على أحد، بل محاولة لفهم الجميع. محاولة مرتبكة أحياناً، لكنها صادقة في رغبتها في الإمساك بما لا يُمسك بسهولة: لحظة الإنسان وهو يتكوّن داخل تجربته، لا بعد أن تكتمل الصورة عنه.
في هذا النوع من الكتابة، لا يكون الكاتب في موقع العارف، بل في موقع المندهش. لا يملك إجابات جاهزة، بل يترك الأسئلة تعمل داخله كما تعمل النار في الخشب البطيء. ومن هنا تأتي حرارة النص، لا من البلاغة وحدها، بل من هذا الاحتراق الداخلي الذي لا يظهر مباشرة، لكنه يُحس بين السطور.
إن القيمة الحقيقية في هذه التجربة لا تكمن في الاتفاق معها أو الاختلاف حولها، بل في قدرتها على إثارة منطقة التفكير الصامت داخل القارئ. تلك المنطقة التي لا تتكلم بسرعة، لكنها لا تنسى ما قرأته بسهولة. فالنص الذي يمرّ بلا أثر، يشبه ماءً عابراً على سطح حجر؛ أما النص الذي يترك خدشاً خفيفاً في الوعي، فهو الذي يظل حاضراً حتى بعد انطفاء القراءة.
وتبدو الكتابة هنا كأنها محاولة مستمرة للنجاة من الصمت، أو لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية في شكل يمكن احتماله. ليست غاية الكاتب أن يقدّم صورة مكتملة للعالم، بل أن يفتح ثغرة صغيرة في هذا الاكتمال المزعوم، ليقول إن كل شيء قابل لإعادة النظر، حتى ما نظنه ثابتاً.
وفي هذا المعنى، تتجلى أهمية هذا الصوت الأدبي في كونه لا يكتفي بوصف الحياة، بل يشاركها قلقها. لا يقف خارجها كمتفرج، بل يدخل إليها بكل ما تحمله التجربة من ارتباك إنساني، ومن أسئلة لا تهدأ، ومن رغبة دائمة في فهم ما لا يُفهم بسهولة.
وهكذا تصبح الكتابة امتداداً للإنسان لا شرحاً له، وامتداداً للتجربة لا تلخيصاً لها. وتصبح الجملة، مهما بدت بسيطة، محمّلة بما هو أعمق من معناها الظاهر، كأنها تحمل ظلّ حياة كاملة لم تُروَ بعد.
تلك هي القيمة التي يمكن التوقف عندها في تجربة سارة مطر: كتابة لا تدّعي أنها تمتلك الحقيقة، لكنها تقترب منها بقدر ما تستطيع، وتترك للقارئ أن يكمل الطريق، أو أن يتعثر فيه، أو أن يعيد اكتشاف نفسه من خلاله، وكأن النص لم يُكتب ليُغلق باباً، بل ليُبقيه موارباً على احتمال آخر للفهم.