مصطفى صلاح يكتب: أحمد فوزي.. روح تنظيمية تعزز عدالة الوصول إلى المعلومة

Feb 24, 2026 - 12:27
مصطفى صلاح يكتب: أحمد فوزي..  روح تنظيمية تعزز عدالة الوصول إلى المعلومة

في الأزمنة التي تتقاطع فيها المهنة مع الرسالة، ويغدو الشغف طاقةً تتجاوز حدود الوظيفة، يبرز اسم أحمد فوزي بوصفه حالةً خاصة في المشهد الإعلامي المصري؛ حالة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد مبادرة تقنية أو تنظيمية، بل بوصفها ظاهرة اجتماعية تعبّر عن حاجة الوسط الصحفي إلى إعادة تنظيم ذاته من الداخل. أحمد فوزي، مؤسس جروب Red Karpet، لا يتحرك من موقع الباحث عن الأضواء، بل من موقع المؤمن بأن الإعلام شبكة علاقات قبل أن يكون سباق عناوين.

قد يبدو للوهلة الأولى أن ابتعاد الرجل عن العمل الإعلامي المباشر، بحكم موقعه الوظيفي داخل وزارة التعليم العالي، يشكّل مسافة بينه وبين المهنة. غير أن التجربة تثبت العكس؛ فالمسافة هنا لم تكن انقطاعًا، بل كانت منظورًا أعلى للرؤية. فحين لا تكون غارقًا في التفاصيل اليومية للمهنة، تستطيع أن ترى خرائطها بوضوح أشمل. وهكذا تشكّلت فكرة Red Karpet لا كجروب عابر على وسائل التواصل، بل كبنية اتصال موازية، تُعيد ترتيب العلاقة بين الصحفي ومصدره، بين الخبر ومساره، بين المعلومة وحق الوصول إليها.

إن خصوصية جروبات المصادر التي أطلقها أحمد فوزي تمثل نقلة نوعية في بيئة العمل الصحفي. فبدل أن يبقى الصحفي أسير علاقاته الفردية أو اجتهاداته الخاصة في الوصول إلى المعلومة، صار أمامه فضاء منظم، يتيح له التواصل المباشر مع مصادر متعددة في قطاعات مختلفة. هنا لا نتحدث عن رفاهية مهنية، بل عن عدالة معلوماتية؛ فالمعلومة حين تتاح على نطاق أوسع، تتراجع الاحتكارية، ويُفسح المجال أمام تنافس مهني قائم على جودة الصياغة والتحليل، لا على احتكار المصدر.

لقد نجح Red Karpet في أن يكون منصة دعم حقيقية للزملاء الصحفيين والإعلاميين، خصوصًا في اللحظات التي تتكاثر فيها الأخبار وتتسارع فيها الأحداث. فالجروب لم يقتصر على تمرير البيانات أو أرقام الهواتف، بل تحوّل إلى مساحة تضامن مهني، تُطرح فيها الأسئلة، وتُتبادل فيها الخبرات، ويُعاد فيها الاعتبار لفكرة “الزمالة” التي كادت تبهت تحت ضغط المنافسة. وفي هذا السياق، يتبدّى الدور التنظيمي لأحمد فوزي، لا كمدير مجموعة، بل كمنسّق شبكة، يحرص على الانضباط، ويصون المهنية، ويضع حدودًا فاصلة بين الإفادة والفوضى.

وإذا أردنا أن نقرأ التجربة قراءة أعمق، فإننا نجد فيها انعكاسًا لتحول أكبر في بنية الإعلام المصري. فالمشهد لم يعد قائمًا فقط على المؤسسات الكبرى، بل على الشبكات المرنة التي تتشكل حول المبادرات الفردية. وهنا تتجلّى قيمة الشغف؛ فالرجل الذي يعمل في حقل التعليم العالي، لم ينفصل وجدانيًا عن الإعلام، بل ظل يعتبره مجاله الأثير، ومساحته التي يحقق فيها معنى إضافيًا لوجوده المهني. هذا العشق الصادق هو ما منح المبادرة استمراريتها، وحماها من التحول إلى مشروع موسمي.

إن تجربة أحمد فوزي تؤكد أن الانتماء إلى مهنة لا يُقاس فقط بالمسمى الوظيفي، بل بدرجة الالتزام بقضاياها. فقد اختار أن يكون جسرًا لا طرفًا، وأن يسهّل الطريق للآخرين دون أن يتصدر المشهد. وفي زمن تتضخم فيه “الأنا” المهنية، تبدو هذه الروح نادرة. فالتأسيس لجروب بحجم Red Karpet، وإدارته بما يتطلبه من جهد يومي وتنظيم ومتابعة، هو عمل أقرب إلى الخدمة العامة منه إلى المبادرة الشخصية.

ولعل أهم ما يميز التجربة هو قدرتها على خلق توازن بين الرسمية والمرونة. فالمصادر التي تتفاعل عبر الجروبات تدرك أنها أمام منصة جادة، تحترم قواعد النشر، وتلتزم بالأطر المهنية، وفي الوقت ذاته تمنح الصحفيين سرعة الوصول وسهولة التواصل. هذا التوازن هو ما جعل الجروب يحظى بثقة متبادلة؛ ثقة المصادر في جدية الصحفيين، وثقة الصحفيين في مصداقية المصادر.

إن نجاح Red Karpet لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لحاجة الإعلام المصري إلى منصات تنظيمية حديثة. فكل مرحلة تاريخية تفرز أدواتها، وإذا كان الماضي قد عرف “نقابة المقهى” بوصفها مساحة لقاء غير رسمية للصحفيين، فإن الحاضر يفرض مساحات رقمية تقوم بالدور ذاته ولكن بكفاءة أعلى وانتشار أوسع. وفي هذا المعنى، فإن ما قام به أحمد فوزي هو تحديث لفكرة قديمة: أن المهنة لا تزدهر إلا بالتواصل.

لقد أثبتت التجربة أن الشغف إذا اقترن بالتنظيم يصنع أثرًا حقيقيًا. وأحمد فوزي، رغم انشغاله بعمله في وزارة التعليم العالي، لم يتعامل مع الإعلام كهواية عابرة، بل كرسالة موازية، تتطلب وقتًا وجهدًا ومتابعة. وهذا الإخلاص هو ما منح الجروب مصداقيته، وجعله مقصدًا للزملاء الباحثين عن دعم حقيقي، لا عن وعود مؤقتة.

في النهاية، يمكن القول إن أحمد فوزي قد قدّم نموذجًا لما يمكن أن يصنعه الفرد حين يمتلك رؤية واضحة وإرادة صلبة. فـ Red Karpet ليس مجرد اسم لامع، بل مساحة عمل جماعي، تؤكد أن الإعلام، مهما تغيرت أدواته، يظل قائمًا على شبكة من العلاقات الإنسانية والمهنية. وحين تُدار هذه الشبكة بعقل منظم وقلب شغوف، تتحول إلى قوة داعمة للمهنة، وإضافة حقيقية إلى بنيتها المتجددة.