د. محمد صبحي يكتب: حين ينطفئ نور البيت:انتحار الزوجة وصراع المظالم الثلاثة

أبريل 14, 2026 - 10:54
د. محمد صبحي يكتب: حين ينطفئ نور البيت:انتحار الزوجة وصراع المظالم الثلاثة

رحيل روحٍ بالأمس خنقاً بآلامها ليس مجرد خبر عابر يطوي صفحة في شريط الأنباء، بل هو صرخة مدوية في وجه مجتمع بأسره. عندما تقرر زوجة وضع حد لحياتها، فهي لا تنهي وجودها فحسب، بل تعلن سقوط آخر قلاع الصبر أمام سيل من الظلم الذي لم يجد سداً يرده. إننا أمام مأساة تستوجب التوقف عند "ثلاثية الظلم" التي تفتك بأركان الأسر.

## أولاً: ظلم الأزواج.. حين يتحول السكن إلى سجن

لقد أمر الله عز وجل بالعشرة بالمعروف فقال: **﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾**، وجعل المودة والرحمة آية من آياته. لكن حين يغيب تقوى الله، يتحول الزوج إلى جلاد، وظلمه يشمل:

 * **القتل المعنوي:** وهو الإهانة المستمرة، وقد كان النبي ﷺ ألطف الناس بأهله، ويقول: **"خياركم خياركم لأهلهم"**.

 * **التسلط وإلغاء الكيان:** يظن البعض أن القوامة هي القهر، بينما كان الصحابة يقتدون بالنبي ﷺ في "خدمة أهله"، فالظلم في البيت هو الظلمات التي تُغلق أبواب الأمل في وجه الزوجة.

### من هدي الصحابة

لم يكن الصحابة يرضون بالظلم داخل البيوت؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءه رجل يشكو زوجته، فسمع عمر زوجته وهي تراجعه وتغلظ له، فوقف الرجل متعجباً، فخرج إليه عمر وقال: **"إنها غسالة لثيابي، طباخة لطعامي، مربية لأولادي، ويستريح قلبي بها عن الحرام، فأنا أتحملها لأجل ذلك"**. أين نحن من هذا الاحتمال والتقدير؟

## ثانياً: ظلم المجتمع.. سياط العادات الجائرة

المجتمع شريك بكلمته وصمته، وكلمة **"اصبري عشان أولادك"** حين تُقال لامرأة تُسحق كرامتها يومياً هي كلمة باطل أُريد بها حق.

 * **وصمة الطلاق:** إن خوف الزوجة من نظرة المجتمع القاسية للمطلقة يجعلها تختار الموت غرقاً في همها على أن تخرج لمجتمع لا يرحم.

 * **إهمال الشكوى:** لقد استمع الله من فوق سبع سماوات لقول التي تجادل في زوجها وتشتكي إلى الله، فكيف يصم المجتمع أذنيه عن أنين المقهورات؟

## ثالثاً: ظلم النفس.. غياب البصيرة خلف الضباب

هنا تكمن المأساة الكبرى؛ حين تظلم الزوجة نفسها بالاستسلام لليأس. إن اليأس من روح الله هو ما يريده الشيطان، قال تعالى: **﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾**.

 * ظلم النفس يكون بنسيان أن الدنيا دار ابتلاء، وأن الفرج مع الكرب.

 * إغفال جانب العلاج النفسي؛ فالاكتئاب مرض يغيب فيه العقل أحياناً، والشرع لا يحمل المريض ما لا يطيق.

## العقوبة والرحمة: ماذا يقول الوعي الإسلامي؟

لقد ورد الوعيد الشديد في حق من قتل نفسه، كما في الحديث المتفق عليه: **"من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً"**. وهذا الزجر جاء لحماية النفس البشرية، ولكن هناك وجه آخر للصورة:

 1. **بين القهر والعمد:** يقول العلماء إن من انتحر تحت وطأة مرض نفسي غيّب إرادته أو قهرٍ أذهب لبه، فأمره إلى الله، وهو سبحانه أرحم بعباده من الأم بولدها.

 2. **محاكمة الظالمين:** إذا كان المنتحر قد أخطأ في حق نفسه، فإن من دفعه لذلك (زوجاً كان أو مجتمعاً) شريك في الإثم. سيقف الظالم أمام الله ليُسأل عن تلك الروح التي أزهقها بلسانه أو يده أو بخل مشاعره.

## المخرج والعمل: ماذا نفعل؟

 * **للمقربين:** الدعاء والاستغفار لها، فالمنتحر تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، والصدقة عنها باب رحمة.

 * **للأزواج:** اتقوا الله في القوارير، فالرجولة احتواء لا التواء، وقوة لا قسوة.

 * **للمجتمع:** افتحوا أبواب الدعم النفسي والاجتماعي، وكونوا عوناً للمظلومة لا عوناً للظالم عليها، وغيروا تلك الثقافة التي تقدس "جدران البيوت" على حساب "كرامة الإنسان".

**ختاماً:**

إن دماء الزوجة التي رحلت هي أمانة في عنق كل من كان بيده أن ينقذها بكلمة طيبة أو موقف شجاع ولم يفعل. لنتذكر دائماً أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن أبواب الله لا تُغلق أبداً، حتى لو أُغلقت في وجوهنا كل أبواب الأرض.