مصطفى صلاح يكتب: محمد عبد الله دعبس.. بين قوة القانون وضمير الإنسان

Sep 24, 2026 - 10:27
Sep 24, 2026 - 10:38
مصطفى صلاح يكتب: محمد عبد الله دعبس.. بين قوة القانون وضمير الإنسان

في المحاماة، لا تكفي معرفة القانون وحدها، كما لا تصنع المرافعة القوية محاميًا مختلفًا، لأن هذه المهنة، في جوهرها، تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه، وبين البداية والنهاية يقف المحامي أمام مسؤولية لا تحتمل الاستعراض، فخلف كل قضية صاحب حق ينتظر إنصافًا، وخلف كل ملف إنسان يحمل قلقًا وأسئلة كثيرة، وخلف كل ثقة يمنحها موكل لمحاميه مسؤولية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراء من إجراءات العمل.

ومن هذه الزاوية تأتي قراءة تجربة المحامي محمد عبد الله دعبس، الذي تبدو المحاماة بالنسبة إليه أكثر من مجرد ممارسة يومية لمهنة لها قواعدها وأدواتها، فهي مساحة يلتقي فيها العلم بالخبرة، والقانون بالواقع، والقدرة المهنية بالمسؤولية الإنسانية، ولذلك فإن الحديث عنه لا يحتاج إلى عبارات مباشرة في الإشادة بقدر ما يحتاج إلى النظر في الطريقة التي يتعامل بها مع مهنته ومع الناس الذين يطرقون بابه في أوقات غالبًا ما تكون من أصعب لحظاتهم.

المستشار محمد عبد الله دعبس يعرف أن القضية لا تُقرأ من عنوانها، وأن التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في ظاهرها يمكن أن تغير فهم الموقف كله، ولهذا فإن العمل القانوني الحقيقي يبدأ من الاستماع والفهم والتحليل، قبل أن يصل إلى المرافعة أو كتابة المذكرات. فالمحامي الذي يريد أن يدافع عن حق عليه أولًا أن يعرف صاحبه، وأن يفهم ظروفه، وأن يميز بين جوهر المشكلة وما يحيط بها من تفاصيل، ثم يبحث عن الطريق القانوني الذي يمكن أن يسلكه دون تهويل أو وعود لا يملكها.

وهنا تتضح واحدة من أهم سمات العمل المهني، وهي أن الثقة لا تُبنى بكثرة الحديث، وإنما بالوضوح. أن يعرف الإنسان الذي أمامك أين يقف، وما الذي يمكن فعله، وما الذي لا يمكن ضمانه، وأن يجد فيمن يتولى أمره شخصًا لا يبيع له الأمل، وإنما يضع الحقيقة أمامه كما هي، ثم يعمل بما يملكه من علم وخبرة من أجل الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة في إطار القانون.

ولأن المحاماة ترتبط بأزمات الناس، فإن الجانب الإنساني فيها لا يمكن فصله عن الجانب المهني. فالذي يدخل مكتب المحامي لا يأتي دائمًا بحثًا عن مادة قانونية أو نص لائحة، وإنما يأتي وفي داخله خوف أو حيرة أو رغبة في أن يجد من يستمع إليه ويفهمه، ولذلك يصبح حسن الاستماع جزءًا من المهنة، ويصبح احترام مشاعر الناس وقدرتهم على فهم ما يمرون به أمرًا لا يقل أهمية عن معرفة النصوص.

وهذه المساحة تحديدًا تمنح تجربة محمد عبد الله دعبس بعدًا آخر، فالمحامي الذي يحافظ على هدوئه واحترامه للناس وهو يتعامل مع الضغوط، ويعرف أن اختلاف المواقف لا يعني اختلاف قيمة الإنسان، يستطيع أن يجعل العلاقة المهنية أكثر اتزانًا، لأن قوة المحامي ليست في أن يحول كل موقف إلى معركة، وإنما في أن يعرف متى يكون حازمًا، ومتى يكون هادئًا، وكيف يستخدم أدوات القانون في مكانها الصحيح.

ومع مرور الوقت، تصبح هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الصورة الأكبر، فالمهنة قد تمنح صاحبها اسمًا، لكن التعامل مع الناس هو الذي يمنحه الثقة، والثقة لا تأتي من لقب ولا تُفرض بحضور، وإنما تتكون بالتراكم، من موقف إلى موقف، ومن قضية إلى أخرى، ومن كلمة يلتزم بها صاحبها إلى وعد لا يقطعه إلا إذا كان قادرًا على الوفاء به.

ولهذا فإن قيمة أي محامٍ لا يمكن اختزالها في عدد القضايا التي تولى الدفاع فيها، ولا في حجم حضوره، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها مع كل قضية، وفي قدرته على أن يظل وفيًا لقواعد مهنته عندما تصبح الأمور أكثر تعقيدًا، وأن يحافظ على احترامه للناس حتى عندما تتباين المواقف وتتعارض المصالح.

ومن هنا يصبح الحديث عن محمد عبد الله دعبس أقرب إلى الحديث عن نموذج مهني وإنساني في آن واحد، لأن الخبرة وحدها لا تكفي، كما أن حسن الخلق وحده لا يصنع محاميًا، لكن اجتماع الأمرين يمنح المهنة معناها الأعمق. فالعلم يمنح المحامي أدواته، والخبرة تساعده على اختيار الأداة المناسبة، بينما يبقى الضمير هو الذي يحدد كيف ومتى ولماذا يستخدمها.

وربما لهذا لا تحتاج الشخصيات المهنية الحقيقية إلى كثير من الضجيج حولها، لأن الزمن كفيل بأن يضع كل شخص في مكانه، وما يبقى في النهاية ليس ما قيل عن الإنسان، وإنما ما تركه في نفوس من تعاملوا معه. قد تنتهي القضية، وتغلق الأوراق، وتنتهي الجلسات، لكن الموقف الذي وجد فيه شخصٌ من يقف إلى جواره بصدق يظل حاضرًا في الذاكرة.

وهذه هي المساحة التي تستحق أن يُقرأ فيها محمد عبد الله دعبس، بعيدًا عن المبالغة في المدح أو صناعة صورة مثالية لا تشبه الواقع، فالمحامي الذي يعرف قيمة عمله لا يحتاج إلى أن يرفع صوته ليؤكد حضوره، وإنما يترك عمله يتحدث عنه، وتترك مواقفه انطباعها لدى من تعاملوا معه، ويصبح احترام الناس له نتيجة طبيعية لطريقة اختار أن يمارس بها مهنته.

وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما يمكن أن يقال عن رجل يعمل في المحاماة أن يظل القانون في يده وسيلة للدفاع، وأن تظل الإنسانية حاضرة إلى جواره، لأن الملفات تُغلق، والقضايا تنتهي، والسنوات تمضي، لكن أثر الإنسان في الإنسان لا تنهيه جلسة ولا يغلقه ملف.

وهنا تحديدًا يصبح محمد عبد الله دعبس أمام معنى أكبر من مجرد النجاح المهني، معنى أن يعرف القانون جيدًا، وأن يحسن استخدام أدواته، وأن يدرك في الوقت نفسه أن خلف كل قضية إنسانًا، وأن أفضل ما يمكن أن يتركه المحامي وراءه ليس فقط قضية دافع عنها، وإنما إنسان خرج من عنده وهو يشعر أنه كان أمام شخص يعرف المهنة، ويحترم المسؤولية، ولم ينسَ الإنسان.