مصطفى صلاح يكتب: دينا كريم.. هندسة الصمت داخل الدراما الصاخبة

أبريل 29, 2026 - 08:15
مصطفى صلاح يكتب: دينا كريم.. هندسة الصمت داخل الدراما الصاخبة

تنهض الحكايات أحيانًا من حيث لا يُتوقع لها أن تنهض، من شقوقٍ خفيّة في جدار الزمن، من فراغٍ يشبه الصمت قبل أن يتكلم، ثم تمشي ببطءٍ محسوب كأنها تعرف الطريق إلى القلوب منذ البداية. هكذا بدا «مناعة»، لا كعملٍ دراميّ عابر، بل ككائنٍ خرج مكتمل الملامح، يحمل داخله يقينًا غريبًا بأن له مكانًا في الذاكرة قبل أن يُعرض على الشاشة.

غير أن الكائنات التي تُولد بهذا القدر من الاتزان لا تأتي من فراغ. خلفها دائمًا يدٌ تُدير الغيب القريب، عينٌ ترى ما لا يُقال، وعقلٌ لا يكتفي بما هو ظاهر على السطح. في هذا الموضع تحديدًا تقف دينا كريم، لا كاسمٍ يُضاف إلى شارة النهاية، بل كحضورٍ ممتدّ في كل تفصيلة، كأنها كانت تكتب العمل وهي لا تكتب.

في «مناعة» لم تكن مهمة الإنتاج وظيفة إدارية تُقاس بالأرقام والجداول، بل كانت نوعًا من الحراسة الوجدانية لفكرةٍ قابلة للكسر. كانت الفكرة هشة في أصلها، تحتاج إلى من يُمسك بها دون أن يخنقها، من يُقوّي عظامها دون أن يغيّر ملامحها. وهنا يتجلى الفارق بين من يُنتج عملًا، ومن يُنجب حالة.

لقد اختارت دينا كريم أن تمشي في منطقة ضيقة بين الحذر والجرأة. لم تنجرّ إلى إغراء الصيغة الجاهزة، ولم تركن إلى ما يطلبه السوق حين يطلب الضجيج. بل كانت أقرب إلى من ينقّب في طبقات المعنى، يبحث عن الصدق حتى وإن كان خافتًا، عن النبرة التي لا تُسمع بسهولة لكنها تبقى أطول.

في هذا العمل، لا يبدو الإنتاج مجرد ظلّ خلف الصورة، بل يبدو كأنّه الضوء غير المرئي الذي يضبط توازن الأشياء. كل تفصيلة تبدو محسوبة بميزانٍ داخليّ دقيق: الإيقاع لا يسبق النفس، والصمت لا يأتي اعتباطًا، والمشهد لا يُترك ليُقال إلا حين يستحق أن يُقال. هذه الدقة ليست وليدة الصدفة، بل وليدة وعيٍ يُدرك أن الفن حين يعلو صوته يفقد بعضًا من صدقه.

ولأنها تدرك أن الحكاية لا تُصنع في لحظة كتابة فقط، بل في لحظة اختيار، فقد كان اختيار العناصر أشبه بتركيب بناءٍ حساس، كل حجر فيه مرتبط بالآخر، وكل انحراف صغير قد يخلّ بالتوازن كله. ومع ذلك ظل البناء ثابتًا، كأنه شُيّد على يقينٍ لا يتزعزع.

في أعمال كثيرة يُنظر إلى الإنتاج بوصفه خلفية تقنية، لكن هنا يتحول إلى بنية فكرية كاملة. دينا كريم لم تكن تدير مشروعًا فحسب، بل كانت تُعيد تعريف معنى أن يُترك العمل لينضج دون استعجال. أن يُسمح له بأن يتنفس، أن يتعثّر قليلًا، أن يكتشف طريقه دون أن يُساق بعنف نحو شكلٍ مسبق.

وهذا النوع من الإدارة لا يقوم على السيطرة، بل على الإصغاء. الإصغاء إلى النص قبل أن يُقال، إلى الممثل قبل أن يؤدي، إلى الصمت قبل أن يتحول إلى جملة. كأنها كانت تسمع ما بين السطور أكثر مما تقرأ السطور نفسها.

في «مناعة» تتجلى هذه الفلسفة بوضوح؛ لا شيء يبدو زائدًا، ولا شيء يبدو ناقصًا بشكل فجّ. هناك توازن خفيّ بين الامتلاء والفراغ، بين القول وما لا يُقال. وهذا التوازن لا يصنعه المخرج وحده، بل تُساهم فيه يد إنتاجية تعرف متى تتقدم ومتى تتراجع خطوة إلى الخلف.

وحين يُذكر الأداء الإنساني داخل العمل، كما في حضور هند صبري، فإن ما يلفت ليس فقط قوة التمثيل، بل المساحة التي تُمنح له كي يتنفس. وهذه المساحة ليست تفصيلاً ثانويًا، بل قرارًا إنتاجيًا واعيًا، يسمح للشخصية أن تتشكل من الداخل لا أن تُفرض من الخارج.

لقد بدا «مناعة» وكأنه كُتب بأكثر من يد، لكن بروح واحدة. روح تعرف أن الدراما ليست مجرد حكاية تُروى، بل تجربة تُعاش. وهنا يكمن السر: أن يُترك العمل ليصبح أكبر من صانعيه، دون أن يفقد بصمتهم.

في هذا السياق، يبدو حضور دينا كريم أقرب إلى فكرةٍ تتجسد في الفعل، لا إلى دورٍ تقليدي. هي ليست فقط من تقف خلف الكاميرا، بل من تقف خلف المعنى. تُمسك به حين يوشك أن يتشظى، وتعيده إلى مركزه دون أن تُعلن عن ذلك. وهذا الصمت تحديدًا هو أعلى أشكال التدخل.

إن ما يميز هذه التجربة أنها لا تعتمد على اللمعة العابرة، بل على التراكم البطيء. كأنها تبني أثرًا لا يزول سريعًا، بل يظل يتشكل في ذاكرة المتلقي مع الوقت. وهذا النوع من الأثر لا تصنعه المصادفة، بل تصنعه رؤية تعرف أن الزمن شريك في العمل الفني، لا عدو له.

وفي النهاية، لا يبدو «مناعة» مجرد نجاح درامي، بل يبدو شهادة غير مباشرة على أن الإنتاج حين يتحول إلى وعيٍ جمالي، يصبح جزءًا من النص، لا خارجه. وأن هناك دائمًا من يعمل في الظل، لكنه يترك في الضوء أثرًا لا يُمحى.

وهكذا، يظل اسم دينا كريم حاضرًا لا بوصفه توقيعًا إداريًا، بل بوصفه يدًا أعادت ترتيب الحكاية، وجعلتها أكثر اقترابًا من نفسها… وأكثر صدقًا مما تبدو عليه الحكايات عادة.