مصطفى صلاح يكتب: بلاغة الصمت وفلسفة الأداء.. مصطفى شعبان يُبدع صورة خالدة في «حكيم باشا»

أبريل 3, 2025 - 01:53
مصطفى صلاح يكتب: بلاغة الصمت وفلسفة الأداء.. مصطفى شعبان يُبدع صورة خالدة في «حكيم باشا»

في ساحة الفن، حيث تتلاقى الأرواح مع الإبداع في انصهارٍ لا تحدّه قيود الزمان، يطلُّ علينا مصطفى شعبان كمنارةٍ تشع نورًا في ليل الدراما العربية، متوّجًا حضوره بسحرٍ لا يُضاهى، وأداءٍ يفيض بلاغةً ورهافةً. هو ليس مجرد ممثلٍ يُتقن أداء الأدوار، بل كاتبٌ يُعيد صياغة الشخصية بنبرة صوته، ورسامٌ يرسم ملامحها بأدائه، وسيمفونيٌّ يُبدع في إيقاعها بمشاعره. في "حكيم باشا"، لا نشهد فقط عملاً دراميًا، بل نُعايش تجربةً إنسانيةً تنبض بالفكر والوجدان، ينسجها مصطفى شعبان بخيوط الإبداع المتوهجة.

في كل مشهدٍ، كان مصطفى شعبان يحفر في الصخر، يستنطق الصمت قبل أن ينطق بالكلمات، يجسّد الشخصية بروحها لا بجسدها فحسب، فيمنحها بُعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود الأداء التقليدي. لم يكن مجرد ناقلٍ للنص، بل كمن يغوص في أعماقه ليستخرج كنوزه المخفية، يحوّل الحروف الجامدة إلى نغمٍ ينبض بالحياة، يُحييها على الشاشة كما لو كانت كائنًا حيًا يتنفس، ويجعلنا نشعر بأن الشخصية لم تكن لتولد إلا بملامحه وصوته وإحساسه.

إن مصطفى شعبان في هذا العمل لم يكن مجرد ممثلٍ يؤدي دورًا، بل كان فيلسوفًا يُترجم مشاعر الإنسان بأدق تفاصيلها، فينظر بعينيه حيث تعجز الكلمات، ويصمت حين يكون الصمت أبلغ من الحروف، وينطق حين تصبح الكلمة ضرورةً وجوديةً. إن بلاغته في الأداء لم تأتِ من زخرفةٍ لفظيةٍ أو حركاتٍ مفتعلة، بل من عمق إحساسٍ يسكب كل نقطةِ حبرٍ من السيناريو في قلب المتلقي، فيتحوّل التمثيل بين يديه إلى لغةٍ تخاطب الروح قبل أن تصل إلى الأذن.

في "حكيم باشا"، لم تكن الشخصية مجرد ماضٍ يُستعاد، بل كيانٌ يتجدد مع كل نظرة، ينبض بالحياة مع كل مشهد. كان مصطفى شعبان يجيد فن التلاعب بالزمن داخل الشخصية، فتراه في لحظةٍ يشيخ تحت وطأة الألم، وفي لحظةٍ أخرى يعود فتىً يزهو بأحلامه، يرسم ملامح الحزن في وجهه كما ترسم الشمس ظلالها على جدران المساء، ويضيء بالأمل كما يضيء الفجر عتمة الليل. هكذا كان، يكتب التاريخ بملامحه، ويعيد رسم الزمن بأدائه.

إن البراعة في الأداء لا تكمن في تقمص الشخصية فحسب، بل في القدرة على إقناعنا بأن ما نراه أمامنا ليس تمثيلًا بل حقيقة، وليس سيناريو مكتوبًا بل حياةٌ تتدفق في لحظتها. وهذا ما نجح فيه مصطفى شعبان، إذ جعلنا ننسى أنه ممثل، لنرى أمامنا "حكيم باشا" بلحمه ودمه، بآلامه وأحلامه، بصراعاته وانتصاراته. كان كمن يعزف سيمفونيةً دراميةً ببلاغةٍ لغويةٍ وجماليةٍ شعوريةٍ، يُطوّع نغمات صوته، ويضبط إيقاع حركاته، ليصنع من كل مشهدٍ مشهدًا خالدًا.

إن موهبة مصطفى شعبان ليست موهبةً عابرة، بل هي تجربةٌ فنيةٌ تتجدد مع كل دورٍ يؤديه، ويؤكد في "حكيم باشا" أنه فنانٌ من طرازٍ نادر، قادرٌ على أن يجعل من كل كلمةٍ نطق بها، ومن كل صمتٍ مارسه، قصيدةً تُروى، وحكايةً تُحكى، وتجربةً تعيش في الذاكرة إلى الأبد. وكأنما الفن بين يديه يتحول إلى نسيجٍ محبوكٍ من الإحساس والبلاغة والجمال.

لقد قدم مصطفى شعبان في "حكيم باشا" درسًا في كيف يكون الفن رسالةً، والتمثيل فلسفةً، والأداء لغةً تتحدث بها القلوب قبل العقول. إنه ليس مجرد فنانٍ يؤدي أدوارًا، بل كاتبٌ يخطُّ الشخصيات بروحه، ونحاتٌ ينحت تفاصيلها بأدائه، ليبقى صوته يتردد، وصورته تتجدد، وأثره خالدًا في وجدان كل من شاهد إبداعه. إنه فنانٌ لا يمرُّ عابرًا في تاريخ الدراما، بل يترك بصمته محفورةً في ذاكرة الفن، علامةً على أن الموهبة الحقيقية لا تُصنع، بل تُولد من وهج الروح، وتتجلى حين يلتقي الإبداع بالحقيقة.

إن مصطفى شعبان، وهو يتألق في رحاب الإبداع في "حكيم باشا"، لم يكن ممثلًا فحسب، بل كان رمزًا لكل عاشقٍ للفن، يترجم بأدائه ما تعجز عن وصفه الكلمات. يفيض مشاعره كما يفيض النهر في موسم الأمطار، ويتدفق حضوره كما يتدفق الضوء في العتمة. يحيي الشخصية لا ليؤديها، بل ليمنحها حياةً مستقلةً، تحلق في فضاء الإبداع كما تحلق الطيور في سماواتها. كان "حكيم باشا" بين يديه ليس مجرد شخصية درامية، بل ملحمةٌ إنسانيةٌ تعبر عن عمق الصراع البشري، عن الألم والأمل، عن النور والظلام.

وفي كل مشهدٍ، كان يثبت أن الفن الحقيقي ليس كلماتٍ تُحفظ أو مشاهد تُؤدى، بل هو روحٌ تتغلغل في تفاصيل الشخصية حتى تصبح كائنًا حيًا. هنا تكمن عظمة مصطفى شعبان، وهنا يتجلى إبداعه، حين يُثبت أن الفن ليس تمثيلًا بقدر ما هو تجربةٌ تعاش، ولغةٌ تنطق بها القلوب، وسيمفونيةٌ تُعزف على أوتار المشاعر.

لقد كان مصطفى شعبان في هذا العمل أكثر من ممثلٍ، كان شاعرًا ينحت قصيدته بأدائه، وكان موسيقيًا يعزف نغماته بحركاته، وكان رسامًا يلون ملامح الشخصية بانفعالاته. وكما يخط التاريخ أسماء العظماء، فإن الدراما ستظل تذكر أن "حكيم باشا" لم يكن مجرد مسلسلٍ، بل كان تحفةً فنيةً جسدها مصطفى شعبان بروحه قبل جسده، وجعل منها ذكرى خالدةً في وجدان المشاهد العربي، تشهد على أن الفن الأصيل لا يذبل، بل يبقى خالدًا، كما يبقى النور مشعًا مهما تعاقبت عليه العصور.