مصطفى صلاح يكتب: «خيري حسن» عندما تصبح الكلمة لحنًا وتروي التاريخ بأوتار الصحافة

أبريل 3, 2025 - 00:23
مصطفى صلاح يكتب: «خيري حسن» عندما تصبح الكلمة لحنًا وتروي التاريخ بأوتار الصحافة

في زمن تهاوت فيه أركان الصحافة إلى أروقة العابر والمبتذل، وانحسرت الكلمة في ضجيج العناوين الخاوية، يبرز خيري حسن كضوء يخترق العتمة، كاتبًا يتكئ على جلال الحرف، ويستدعي من أرشيف الروح تلك النغمة الصحفية العتيقة التي كانت يومًا ما صدى لصوت الوطن ونبض الناس. إنه لا يكتب فحسب، بل ينحت في صخر الزمن سردًا يعيد للحكاية هيبتها، وللحقيقة ألقها، ممسكًا بخيط متين يربطه برواد الصحافة الأدبية، حيث يتردد صدى محمود عوض في لغته العميقة، وينبعث ظل صلاح عيسى في حسه التوثيقي، ويهيم في أفقه اللحن الحزين الحماسي لروح بليغ حمدي، ليغدو مزيجًا نادرًا بين الحفر في الذاكرة والقبض على اللحظة. وكأن كلمات خيري حسن تكتب مع كل نغمة عزفها بليغ حمدي، حيث تتداخل الحروف والنغمات، لتخلق سيمفونية يكتبها الزمن وترويها القلوب.

ليس خيري حسن مجرد كاتب يجمع الأخبار ويرصها في متواليات جافة، بل هو غواص في بحر الوقائع، يتلمس نبضها، يغوص إلى عمقها السحيق، ينتشل من تفاصيلها ما يجعلها حية نابضة بالتأثير. وكأن قلمه مشكاة تضيء تلك الزوايا المنسية، حيث تلتقي الأحداث بالشخصيات، وحيث تمتزج المعلومة بالسرد، فلا يعود النص مجرد تدوين لحظة، بل معمار متكامل من الدقة والجمال. في هذا التمازج الفريد، تتجلى روح محمود عوض، ذاك الذي صنع من الصحافة أدبًا، ومن الخبر رواية، ومن التحقيق سيرة تتجاوز حدود الزمان والمكان، غير أن خيري حسن لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمضي إلى حيث كان صلاح عيسى، ذلك الذي لم يكن الصحفي التقليدي بقدر ما كان المؤرخ المتوغل في جذور الأشياء، الباحث عن الحقيقة كمن يبحث عن لؤلؤة نادرة في رمال التاريخ. وبينما يتأرجح قلمه بين أصداء الماضي وظلال الحاضر، تتراقص في روحه نغمات بليغ حمدي، ذلك العبقري الذي كان يسكب في موسيقاه نبض الوطن، فيتحول اللحن إلى مرآة لعذابات الناس، لفرحهم، لحلمهم المستمر. وتمامًا كما كانت ألحان بليغ حمدي تعبر عن لحن الفرح والحزن في آن واحد، نجد أن كلمات خيري حسن تتمكن من خلق تناغم بين الذاكرة والمستقبل، بين الحقيقة والخيال، بين اللحظة الراهنة وظلال الماضي.

إنه يكتب وكأن الكلمة لديه وطن قائم بذاته، تولد في يراعه متحررة من سطوة المباشرة، تتشح بثوب البلاغة دون أن تفقد وضوحها، تحلق في سماوات الإبداع دون أن تنقطع عن جذور الواقع. كل مقالة يكتبها تحمل بصمته، تشبهه كما يشبه البحر مداده، تشبه المدن التي أحبها، والحكايات التي سمعها، والأزقة التي سار فيها ذات مساء. لا يكتب من مكان بعيد عن الناس، بل يكتب كما لو كان جزءًا من المشهد، كشاهد صادق على لحظة لا يجوز أن تمر دون أن توثق، دون أن تستعاد من متاهة النسيان إلى وهج التذكر. ومثلما كان بليغ حمدي يصوغ لحنًا من وجع الشوارع، من همس المقاهي، من صدى النوافذ المغلقة، يفعل خيري حسن الأمر ذاته، لكنه يستبدل الأوتار بالكلمات، ليخلق سيمفونية من الحروف، تنبض بحياة لا تذوي مع الزمن. وكأن القلم هنا ينساب مثل نغمة موسيقية، كل كلمة تنبض بإيقاع يشبه لحنًا يتردد في أعماق المستمع، تساهم في بناء رواية تشترك فيها الألوان، والأحاسيس، والأصوات التي تملأ الذاكرة. ليس مجرد كلمات تكتب، بل موسيقى تعزف على أوتار الزمن.

حين تقرأ لخيري حسن، تجد نفسك أمام نص لا يُقرأ فقط، بل يُعاش، يُسمع صداه في الوجدان كما لو كان موسيقى تنساب برقة في أعماق الذاكرة. في كل جملة يبثها قلمه، تتردد أصوات بعيدة، تلوح ظلال لماضٍ لم يغب، لكنه يعود محملا برائحة الصحف القديمة، وصفحات الكتب المصفرة، وصدى حوارات المقاهي الثقافية التي كانت يومًا ما ساحات للفكر لا مجرد مقاعد للعابرين. إنه يمضي على خطى الكبار، لا يقلدهم، بل يعيد تشكيل ميراثهم بما يليق بزمنه، يكتب وكأن بينه وبين الكلمة عهدًا، لا يخونها بالاختزال، ولا يرهقها بالحشو، بل يمنحها حريتها في أن تكون شاهدة على عصرها، مخلدة في وجدان قارئها. وكأن الصحافة قد تحولت إلى لحن خالٍ من الثرثرة، يعيشه القارئ بعمق، بل ويشعر به في كل نبضة قلب، كما كان الحال مع أغاني بليغ حمدي التي تردد أصداءها في الذاكرة وترافق الناس على مر السنين.

ليس كل صحفي كاتبًا، وليس كل كاتب قادرًا على أن يمنح النص حياته الخاصة، لكن خيري حسن يفعل ذلك بحرفية العارف، ودقة المؤرخ، وحساسية الأديب الذي يرى في كل تفصيلة صغيرة معنى أكبر من حدودها الظاهرة. إنه يمارس الكتابة كما يمارس الرسام فنَّه، بخطوط محسوبة بدقة، وبألوان تمتزج بين الحنين والدهشة، ليخرج لنا نصوصًا تقف في منطقة نادرة بين الصحافة والإبداع، بين الواقع والتأمل، بين الحدث والتاريخ. ومثلما كانت موسيقى بليغ حمدي قادرة على اختصار الوطن في نغمة، وقادرة على تحويل الألم إلى لحن خالد، نجد في كلمات خيري حسن ذات السحر، ذات القدرة على ملامسة الروح، على جعل السطور تنزف مشاعر، وتبكي، وتضحك، كما لو كانت إنسانًا من لحم ودم. وكأن خيري حسن ليس مجرد كاتب يكتب بل هو عازف على أوتار التاريخ، يتنقل بين الحروف كما يتنقل بليغ حمدي بين ألحانه، ينثر الذكريات وينسج الحاضر في موسيقى لغوية تجعلنا نعيش لحظة كل كلمة يكتبها.

في زمن تراجعت فيه القيم الصحفية أمام سرعة النشر، وتلاشت فيه روح السرد أمام قسوة الإيجاز، يعيد خيري حسن إلينا تلك العذوبة المفقودة، حيث الكلمة لا تلقى جزافًا، بل تمنح حقها في أن تكتب كما يليق بها، في أن تقرأ كما تستحق، وفي أن تبقى حيث يجب أن تبقى، لا كخبر عابر، بل كذكرى خالدة. إنه الامتداد الحي لمدرسة لم تمت، بل ما زالت تتنفس في نصوصه، تتجلى في لغته، تولد من جديد مع كل مقال يخطه، وكأنه يعيد للصحافة ذلك المجد الذي خفت، وللكلمة تلك الهيبة التي تستحقها، وللحقيقة ذلك الحضور الذي لا يمحى مهما مر الزمن. وكما كانت ألحان بليغ حمدي خالدة، تظل كلمات خيري حسن دائمًا مخلدة في الذاكرة، ترددها الأجيال كما يردد اللحن الرائع في الأذن.