الشاعر الكبير محمد الشربينى يكتب: هل عينٌ واحدةٌ..تكفي؟!!

أبريل 3, 2025 - 19:15
الشاعر الكبير محمد الشربينى يكتب: هل عينٌ واحدةٌ..تكفي؟!!

ولأن شيخي الذي كان يحفظني القرآن الكريم في طفولتي السكندرية من أولي البصيرة؛فقد كنتُ على صلةٍ يوميةٍ بكثيرٍ من سلوكيات فاقدي حاسةِ الإبصار، واعتمادهم الكامل على حواس أُخَرَ مثلاً كالسمع واللمس؛إذْ كان يميز بين أصوات الصغار مرتادي "الكُتَّابِ"الكائن في مسجد الحاج "إبراهيم بركات" والذي لم يزل موجوداً إلى اليوم في شارع"أم السلطانة"بحيِّ الورديان، أقول كان شيخي"محمد الديب" صعيديَّاً ذا قوامٍ أشبه بالرمح-كمعظم أهل الصعيد-يُرْهف السمع ثم ينادي هذا المشاغب أو ذاك دونما خطأٍ،ويُنزِل به أشد العقاب..!!،ولم أكن أدري أنه قد وعى بصمات أصواتنا حال افتراشنا الحصير أمامه،واستظهارنا ما كلّفنا به من حفْظ هذه السورة أو تلك-كلٌّ على انفراد-؛لذلك كان يستطيع تمييز أصواتنا في الجَلَبة والصياح،أمَّا حاسة اللمس فقد كان رائعاً في معرفة الوقت من خلال ساعته ذات السلسلة الفضيَّة يخرجها من جيبه ثم يفتح غطاءها الفضيَّ، وتلمس أنامله طرفيْ العقربين فلا يخطئ في الأمر برفع الأذان،فلقد كان إمامَ المسجد أيضاً، وكنت شديد الدهشة كيف لهذي الأصابع النحيلة أن تُمسك بأذن المشاغب من الرفاق فلا يملك سبيلاً إلى الهروب إلا إذا أراد التنازل عن إحدى أُذُنِيه..!!،لكنْ -ولأمْرٍ مرتبطٍ بشدة فضولي وسعة تخيُّلي- كنتُ أحاول معرفة كيف يرى هؤلاء الذي أصاب العطبُ إحدى أعينهم، وكثيراً ما كنت أحاول رؤية ما حولي مثلما يرون العالَمَ مِن حولهم؛فلا أرى ما حولي كاملاً إلا بانفتاح العينين معاً،فكل واحدةٍ منهما لا تملك الانفراد بالأداء الكامل للرؤية في جميع الاتجاهات..وهكذا حال مناصري هذا الرأي أو ذاك في القضايا العامة..إن آراءهم قاصرةٌ على الجانب الذي يقفون فيه، وقد غفلوا أو أغفلوا رؤية الضفة الأخرى من النهر!!

(علِّقوني على جدائل نخلةْ/واشنقوني..فلن أخون النخلةْ!)(هذه الأرض لي..وكنت قديماً/ أحلبُ النوقَ راضياً ومُوَلَّهْ)(وطني ليس حزمةً من حكايا/ليس ذكرى..وليس حقل أهلَّةْ)(وطني غضْبةُ الغريب على الحزن/وطفلٌ يريد عيداً وقُبْلةْ)(ورياحٌ ضاقت بحجرة سجنٍ/وعجوزٌ يبكي بنيه وحقلهْ) (هذه الأرضُ جلْدُ عظمي

وقلبي../فوق أعشابها يطير كنحلةْ)(علِّقوني على جدائل نخلةْ!!/واشنقوني فلن أخون النخلةْ!!)

وتأتي مُطَوَّلَة"أغنيات إلى الوطن"للشاعر العربي" محمود درويش"المُكوَّنَةُ من ست قصائد،أو قلْ ست لوحاتٍ من البوح الشفيف في حضرة الوطن،والغربيون إن أبدوا استغرابهم الشديد من سيول العائدين إلى شمال "غزة"كأنهم ركب الحجيج -رغم الدمار لكل أسباب المعاش الآدمي-ما أدركوا ارتباط جذورنا الضاربة في أعماق أرضنا..ولعل استخفاف"ترامب"وغيره من مروِّجي فكرة تفريغ "غزةَ"من أهلها مرجعه أنهم لا علاقة بينهم وبين أوطانهم الحالية؛فهم مغامرون مستوطنون قَدِموا من فجاج"أوروبا" إلى العالم الجديد وبكل إجرامٍ استأصلوا سكان "أمريكا" الأصليين؛لذلك ليس في مقدورهم إدراك معنى الحبل السريِّ الواصل مابين الوطن وأهله، والذي يجعل كلَّ هؤلاء القابضين على الجمر لا يغادرون طيلة خمسة عشر شهراً من الحمم الساقطة عليهم من كل حدبٍ وصوب تفتك بهم،وتوزع عليهم تذاكر السفر الأخيرة إلى الآخرة!

(وطني!!يعلمني حديدُ سلاسلي/عنفَ النسور.. ورقةالمتفائلِ)(ما كنت أعرف أن تحت جلودنا/

ميلادَ عاصفةٍ..وعُرسَ جداولِ)(سَدُّوا عليَّ النور في زنزانةٍ/فتوهَّجتْ في القلب..شمسُ مشاعلِ) 

هكذا يكون ردُّ الفعل لكل ثائرٍ يقاوم المحتلين؛فلا يستسلم لليأس،ولا يمتطي متن التهوُّر الأعمى المُفْضي إلى إضاعة حبل التمكُّن من يده،إن عملية طوفان الأقصي في السابع من أكتوبر من أعظم العمليات الفدائية التي قامت بها المقاومة...أجل لو تبعتها حرب التحرير ومهاجمة العمق الإسرائيلي بقصْد استرداد وتحرير الوطن السليب، لكن أن نسوق مجموعة من المحتجزين وننسحب إلى داخل"غزَّة"، ونتحداه ليدخل"غزة" ويجعل عاليَها سافلها، هدفه المعلن استرداد محتجزيه،والهدف المُضْمَر الإجهاز التام على القضية أرضاً وشعباً، ثم يصبح غاية مطالبنا وقْف القتال والتفاوض من أجل إخراج الأسرى من سجون الاحتلال ليصبح الثمن الفادح البالغ أكثر من خمسين ألف شهيدٍ وأكثر من مائةٍ وعشرين ألف مصاب والتدمير الكامل للقطاع لتطهيره عرقياً من أجل العودة إلى ماقبل السابع من أكتوبر والإفراج عن سجناء أيَّاً كان عددهم وانتماءاتهم الجهادية ومآسيهم داخل السجون 

،ثم استنساخ ذلك في الضفة الغربية الآن.. مَنْ قال إننا لسنا مع المقاومة قلباً وقالباً؟!!لكنها المقاومة الرشيدة التي تدرك أبعاد الموقف كاملاً دونما تهوينٍ أو تهويلٍ..مَنْ قال إننا لسنا مع السعي للإفراج عن أهلنا المعتقلين في غياهب السجون؟!! لكن بأيِّ ثمنٍ وبما وصلنا إليه الآن..؟!! أأدركنا الآن قيمة تكامل العينين في استجلاء الصور أمْ سنظل أسرى النظرة الأحادية؟!!ليأتي الختام درويشيَّاً يملأ صدورنا بالتفاؤل ورائعته "أحبُّكَ أكثر!!"

(تَكَبَّرْ…تَكَبَّر!/فمهما يكن من جفاك/ستبقى، بعيني ولحمي..ملاك/وتبقى..كما شاء لي حبنا أن أراك/ نسيمك عنبر!!/وأرضك سكَّرْ/وإني أحبك..أكثرْ/يداك خمائلْ/ولكنني لا أغنِّي ككل البلابلْ/فإن السلاسلْ/تعلمني أن أقاتلْ/أقاتلْ..أقاتلْ/لأني أحبك أكثرْ!!/غنائي خناجرُ وردْ/وصمتي طفولة رعدْ/وزنبقةٌ من دماءْ/فؤادي.. وأنت الثرى والسماءْ/وقلبك أخضرْ.!/وَجَزْرُ الهوى فيك مَدٌّ فكيف إذنْ لا أحبك أكثرْ/وأنت كما شاء لي حبُّنا أن أراك: نسيمك عنبرْ/وأرضك سكَّرْ/وقلبك أخضرْ..!/وإنِّيَ طفلُ هواكَ على حضنك الحلو..أنمو وأكْبُرْ!)