مصطفى صلاح يكتب: أيتها الراحلة في جسدها… المقيمة في روحي

أبريل 6, 2026 - 17:13
مصطفى صلاح يكتب: أيتها الراحلة في جسدها… المقيمة في روحي

في رثاء الأم، لا تُجدي البلاغة، ولا تُسعف الكلمات، لأن الفقد هنا ليس حدثًا عابرًا، بل انكسارٌ ممتد في أعماق الروح، كأن شيئًا من جوهر الإنسان قد انتُزع، ولم يترك خلفه سوى صدى الحنين. هكذا جاءت كلمات إلهام شاهين في ذكرى رحيل والدتها، لا كرسالة حزن، بل كمرثية قلبٍ لم يتعلم كيف ينسى، ولا كيف يعتاد الغياب.

أيتها الراحلة في سكونها، الحاضرة في وجعها، كيف غبتِ وبقي كل شيءٍ منكِ؟ كيف انطفأ الجسد، وبقي الدفء عالقًا في الزوايا، في الذاكرة، في التفاصيل التي لا تُرى؟ ما هذه الحيرة التي تُقيم في القلب، فلا هو يصدق الرحيل، ولا هو يقوى على استيعابه؟

كانت الأم وطنًا لا يُدرَك إلا حين يُفقد. كانت يدًا تُمسك بالروح قبل الجسد، وصوتًا يُرمم ما تهدّم من الداخل دون أن نشعر. كانت العالم في بساطته، وكانت الطمأنينة في أوضح صورها. وحين رحلت، لم ترحل وحدها، بل أخذت معها المعنى، وتركتنا في مواجهة الفراغ، نحاول أن نملأه بما لا يُملأ.

يا من كنتِ تسبقين الحزن بخطوة، وتطفئين الخوف قبل أن يولد، كيف صار الخوف الآن بيتًا، وصار الحزن رفيقًا لا يغادر؟ كيف صار الليل أطول، والنهار أثقل، وكل شيءٍ بلا ملامح، كأنه فقد روحه؟

كل عامٍ يمر، لا يداوي الجرح، بل يُعمّقه، كأن الزمن لا يعرف الرحمة، بل يُجيد فقط أن يُذكّرنا بما فقدنا. كل ذكرى تمر، تُعيد فتح الباب الذي حاولنا إغلاقه، وتُعيدنا إلى تلك اللحظة الأولى، لحظة الفقد، حين انكسر الصوت، وسقطت الدموع بلا استئذان، وفهمنا لأول مرة أن بعض الغياب لا يُحتمل.

تقول: أشتاق إلى حضنكِ… وما أدراك ما الحضن حين يكون آخر حصون الأمان. كان ملجأً من العالم، وكان يقينًا لا يتزعزع. والآن، كل الطرق مفتوحة، إلا الطريق إليكِ. كل الأبواب تُفتح، إلا بابكِ. وكل النداءات تُجاب، إلا ندائي لكِ.

تحتاج إلى رأيكِ… وهنا يكمن وجعٌ آخر، وجع التيه. لأن الأم ليست فقط قلبًا يُحب، بل عقلًا يُرشد، وبصيرة تُنير. كانت الإجابة حين تتكاثر الأسئلة، وكانت الطمأنينة حين تتكاثر الشكوك. والآن، الأسئلة كثيرة، والإجابات شحيحة، والصمت أثقل من كل شيء.

“لا شيء له طعم بدونكِ”… ليست عبارة، بل حقيقة تُعاش كل يوم. لأنكِ كنتِ الطعم، والروح، والمعنى. كنتِ السر الذي يجعل الحياة تُحتمل، والسبب الذي يجعل الفرح ممكنًا. وحين غبتِ، صار كل شيءٍ ناقصًا، كأن الحياة نفسها فقدت توازنها.

تناديكِ: أين أنتِ يا أمي؟ وليس في النداء انتظار، بل في النداء حياة. كأن الاسم حين يُقال، يُعيد شيئًا منكِ إلى الوجود. كأن الذكرى، رغم وجعها، هي الخيط الأخير الذي يربطها بكِ، فلا تتركه، ولا تتركها الأيام تنساه.

ثم يأتي العزاء، ذلك العزاء الذي لا يُنهي الحزن، لكنه يُهذّبه. أن تكوني في مكانٍ أفضل، في رحمةٍ لا حد لها، في دارٍ لا وجع فيها ولا فراق. لكن حتى هذا اليقين، لا يمنع القلب من أن ينكسر كلما مرّ طيفكِ، ولا يمنع الدموع من أن تنحدر كلما اشتد الحنين.

أيتها الأم التي رحلتِ وبقيتِ، كيف استطعتِ أن تكوني غائبةً إلى هذا الحد، وحاضرةً إلى هذا الحد؟ كيف صرتِ ذكرى، وأنتِ في كل شيء؟ في الصوت، في الملامح، في الحنين الذي لا يهدأ، في الدعاء الذي لا ينقطع؟

إن رثاء الأم ليس بكاءً على من مضى، بل بكاءٌ على ما تبقى فينا منها. على ذلك الجزء الذي لا يندمل، لأنه يحمل صورتها، ويحمل حبها، ويحمل كل ما كانت تمنحنا إياه دون أن نشعر.

سلامٌ عليكِ في عليائكِ، في سكونكِ، في رحمتكِ الواسعة. سلامٌ على قلبٍ كان لنا حياة، فصار لنا ذكرى، لا تموت. سلامٌ على أمٍ إن غابت، غاب معها شيءٌ لا يعود أبدًا.

ويبقى الدعاء… ويبقى الحنين… وتبقى أنتِ، في القلب، كما كنتِ، وكما لن تكوني إلا هناك.