محمود عوضين يكتب: المسكوت عنه فيما وراء موسيقى الألعاب الإلكترونية

أبريل 4, 2025 - 20:59
محمود عوضين يكتب: المسكوت عنه فيما وراء موسيقى الألعاب الإلكترونية

كان صديقي.. لعبنا معًا ثم قتلني!!.. عبارة صادمة تُجسد المآسي المروعة الناجمة عن ممارسة الألعاب الإلكترونية، بفعل موسيقاها الصاخبة وإيقاعاتها السريعة العنيفة، وما ينتج عنها من انفعالات مرضية لدى الممارسين لهذه الألعاب، وتدفعهم إلى الاستهانة بحق الحياة إلى حد الانتحار وقتل الآخرين.

وبهذه العبارة الصادمة، صدَّرت الدكتورة سالي سليمان غلاف كتابها المعنون "ضجيج أسود.. ما وراء موسيقى الألعاب الإلكترونية"، الذي يخترق حاجز الصمت، ويمزق أستار الخطر الكامن وراء موسيقى الألعاب الإلكترونية، حيث تعرض فيه للألعاب الإلكترونية الشهيرة، وتحليل ما يصاحبها من موسيقى تتسم بالعنف، وتؤثر على متغيرات الشخصية لدى المراهقين، وتجعلهم عدوانيين، وتدفعهم إلى إيذاء الآخرين وقتلهم، وأيضًا إيذاء النفس والإقدام على الانتحار، حيث إن ممارسة تلك الألعاب تجعل التوتر والغضب ومشاعر العنف تسيطر عليهم أثناء اللعب والاندماج في أجواء الحدث، وتقمص الشخصية العدوانية، والانتقال بالحدث من العالم الافتراضي إلى عالم الواقع دون وعي منهم.

وتفسير ذلك، أن مشاهد العنف المفرط التي يراها اللاعب تؤدي إلى تكوين صورة سلبية عن العالم، وتعزز لديه الروح العدوانية، وتنمي مشاعر الغضب، وتحدث بالتالي تحولات عميقة في السلوك والحالة المزاجية، وتُهيئ للمخ مشاهد القتل، بالإضافة لما تُحدثه من تأثير سيكولوجي وبيولوجي على الذاكرة، فيتم ارتكاب الجرائم الدامية التي شهدناها في العقود الأخيرة على المستوى المحلي والعالمي، من جراء ممارسة الألعاب الإلكترونية، مثال لعبة الحوت الأزرق، وتقليد ما يحدث في هذه الألعاب من قتل للآخرين.

وفي هذا الكتاب، تعرض الكاتبة لمفهوم الألعاب الإلكترونية ونشأتها وتطورها وأهميتها، والأسباب التي تدعو إلى ممارستها وشيوعها إلى حد الإدمان، الذي يفوق إدمان المخدرات خطورةً على النفس وتهديدًا لأمن المجتمع. كما تكشف عن الأسرار الخفية للموسيقى المصاحبة لبعض الألعاب الإلكترونية الشهيرة، والعلاقات المعقدة بينها وبين العقل البشري، وقدرتها على تشكيل الحالة المزاجية، والإحساس بالذات، بما تُحدثه من تفاعل عميق بين التأثير القوي للموسيقى والدماغ، وما ينجم عن ذلك من تحولات عصبية يترتب عليها استجابات سيكولوجية وفسيولوجية تؤثر على التوجهات العقلية والفكرية لدى المراهقين الممارسين للألعاب الإلكترونية.

وتُعرف الكاتبة الألعاب الإلكترونية بأنها نظام تفاعلي بين اللاعبين والأجهزة المستخدمة، ويتمكن اللاعب من خلاله من الاندماج بطرق سمعية وبصرية، وبناء علاقات افتراضية سلبية تؤثر على الصحة النفسية والجسدية والعقلية والسلوكية، التي قد تصل إلى حد الانتحار وقتل الآخرين.

ويعود السبب الرئيسي لممارسة الألعاب الإلكترونية إلى مشكلة تعاني منها الأجيال الجديدة، وهي البحث عن الإشباع عن طريق اللعب والترفيه، بهدف الهروب من روتين الحياة وما فيها من ضغوط وقيود، ليتجه إلى عالم وهمي افتراضي لا يتقيد بالوقت والظروف المعتادة والمألوفة. كما تلفت الكاتبة إلى أن كثيرًا من هذه الألعاب يهدف إلى تعزيز الهيمنة الغربية وتحقيق أهداف العولمة التي تضر بشعوب العالم الثالث.

ولمكافحة الإدمان الإلكتروني والإفراط في ممارسة هذه الألعاب، وسيطرتها على وجدان وتفكير الناشئة والفتية والشباب، فقد دعت الكاتبة إلى تفعيل منظومة التربية وصناعة الوعي، ممثلة في الأسرة والمدرسة وأجهزة التثقيف والإعلام، مع التركيز على دور الأسرة باعتبارها الركيزة ونقطة البداية، وهو ما يستوجب رفع مستوى الوعي لدى الوالدين بأهمية مرحلة المراهقة، باعتبارها أكثر المراحل العمرية تأثيرًا في تكوين الشخصية.

كما دعت إلى إعادة الاهتمام بالتوسع في الأنشطة المدرسية، لصقل مهارات المراهقين، والعمل على استيعابهم في أنشطة مفيدة، وتوجيه طاقاتهم نحو العمل الإيجابي، والحرص على التفاعل معهم لإنهاء العزلة والانطواء على الذات، مع توجيه المنظومة الإعلامية للتوعية بمخاطر إدمان ممارسة الألعاب الإلكترونية ذات المحتوى الهدام.

واهتمت الكاتبة بدعوة رجال الأعمال إلى القيام بأداء "الوظيفة الاجتماعية لرأس المال"، وذلك بتوجيه جزء من استثماراتهم لتصميم ألعاب إلكترونية ذات محتوى وطني وأخلاقي وفني، يستلهم من التراث العريق، كما دعت أيضًا قادة الفكر والرأي إلى وضع مخطط تربوي وتعليمي وثقافي قومي لتصنيع ألعاب إلكترونية بديلة، تدعم الولاء، وتعمق الانتماء لدى الشباب، وتسليحهم بالقيم النبيلة ومكارم الأخلاق، حفاظًا عليهم من الانزلاق لثقافات هدامة معادية للمجتمع، وتأخذ بأيديهم نحو ممارسة رشيدة وآمنة للألعاب الإلكترونية.